أحزاننا هي هي..

كيف لنا أن نبتسم، وفي القلب حرقة “فلسطين”، وفي العين دموع حارة، تنهمر سيلا مدرارا كلما تذكرنا أن مخزون القومية العربية قد نفد منذ زمن بعيد، وأن الحكام لا يتقنون سوى التنديد الشفهي، والشعوب لا تملك شيئا عدا التضامن الفيسبوكي..
كيف لنا أن نفرح، وشلالات الدم تغطي صور كل الشاشات الإخبارية، ورائحة الموت تنبعث من بين سطور الصحف العربية، والتحليلات لا تنتهي صباح مساء، عن أولئك الذين يقتلون إخوانهم لنصرة دين هو من تصرفاتهم الوحشية براء..
كيف لنا أن نتعايش، وقد صار التكفير قاعدة، والتسامح استثناء، وبعض الذين يعانون من داء التطرف لا يرف لهم جفن وهم يرددون أن: “داعش هو الحل”، مغفلين أن الإرهاب لا يمت إلى الإسلام بصلة، وأن التكفير والتطرف لم يكونا يوما من ضمن الحلول الكفيلة بالإصلاح..
كيف لنا أن نصدق، وقد أصبح كل من قرأ بضعة كتب دينية يدعي أنه داعية إلى تطبيق شريعة الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصدر فتاوى لا مرجع لها، يبيح ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويهتم بالقشور، ويتغاضى عن اللب، وبين مناسبة ومناسبة، يعود ليفتي..
كيف لنا أن نفتخر برحمتنا وإحساننا، ونحن نتباهى بصدقاتنا، ونتموضع إلى جانب الفقراء والمحتاجين لالتقاط صور تؤرخ لحسناتنا، متناسين قول الله تعالى في سورة البقرة: “يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر”..
كيف لنا أن نأكل، واللاجئون وأطفالهم الذين ضاعت كل أحلامهم بسبب الويلات العربية، لا يجدون ما يسدون به رمقهم، لأن المساعدات التي تبعث إليهم يظل مصيرها مجهولا، لذا، كلما لمحنا صورهم، نتذكر أنهم ضحايا أولئك الذين يتطاحنون فيما بينهم، من أجل الظفر بقطعة من كعكة السُلطة..
كيف لنا أن ننام، بعدما أصبحت البراميل المتفجرة موضة عاشقي الرئاسة، إلى أن اعتدنا على مشاهد الدمار الذي تسببه، ووديان الدماء التي تخلفها، وصرنا مدمنين على المهدئات، في انتظار أن يحل العرب الإشكالية الكبرى ويجيبوا عن التساؤل الأهم الذي هو: “من يكون صاحب براءة اختراع هذه البراميل العجيبة؟”
كيف لنا ألا نجن، وكلما استُفسر أحد المسؤولين عما يجري، وعن ما هو الأنسب لحل أزمة الشرق الأوسط الملتهب، يطيل الشرح والتنظير، ويعود إلى الأصول الجيو- تاريخية للصراعات العربية، قبل أن يختم بقوله: “لك الله يا فلسطين..لك الله يا سوريا..لك الله يا عراق”..
كيف لنا أن نفهم، وقد خلنا أن الربيع العربي سيُزهر حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية، ونمنا مطمئنين قبل أن نستيقظ على نبأ ظهور سفاحين ديكتاتوريين جدد على الساحة ليحلوا محل الطغاة السابقين، لنستنتج أن لا شيء قد تغير في المشهد السياسي عدا الوجوه والأسماء..
أحزاننا هي هي، فكيف لأفكارنا أن تتجدد؟