الرئيسية - عمود القلم الأسود - جنون الكلمة - الفلسفة التي تسكن في الحمى

الفلسفة التي تسكن في الحمى

بفعل فاعل خرج الآخر الذي يسكنني بعشوائية، ودخلت مكانه. بما أن مقتاتي الزلات يتربصون بنا، يحملون أقلامهم الحمراء، يتقمصون دور الإله برعونة، يجب أن نزيف الواقع المزيف، وأن نرقص رقصة الشاة المذبوحة من الآلم، ولنقل إذن بعيدا عن عين الرقيب: الحادث بسبب الحمى، أكررها بسبب الحمى فقط.

بدأتُ أفقد السيطرة، يتلبسني العفريت «أنا الآخر» بروية قاتلة، تعلمتُ التعايش معه، أسميه تارة الضمير، وتارة أخرى الشيطان، لكنني أعلم أنه وأنا شخص واحد، انعكاسين لفكرة تتراقص داخل ذهن ما في عالم خارج العالم.

كدتُ لا أشاهدني داخل جسدي المنهك بضربات الزمان تحت الحزام، خارج الزمكان، حيث يلعب طفل صغير بالقدر، وتمشط صبية شعر دمية الأيام. تخلصتُ من كل ما كان يربطني بأناي النمطية، الحب والكره، الحق والواجب، القيود المرئية و اللامرئية، المكانة الاجتماعية الزنزانة، انتظارات المستقبل المتعبة، ذكريات الماضي الخائبة، الالتزامات المتجددة مثل جلد أفعى، التنهيدة بعد الآهات، وأشياء أخرى. والصدى يصرخ بكل قوته في أذني: استيقظ سي فلان…استيقظ سي فلان…لقد حان وقت التكرار، كن نمطيا أو مت وأنت تحاول…

تجاهلتُ الصوت الخارج من يوميات موظف بسيط وتابعت رحلتي خلف الآخر الشيطان. صرتُ مولودا جديدا بعمر طويل، ربما عشت ما يكفي لأكون مستعدا للموت كما يستعد هو لي. نمت ُطويلا عن التفكير نوم الكلب في الأسطورة. هؤلاء الآخرين، هل يحبونني فعلا؟ أم يحبون المكانة التي أملؤها كقطن طبي في ذاكرتهم؟ ذلك الفراغ الذي أشغله كي لا يتسرب الريح إلى ذاكرتهم وتفسد ذكرياتهم البعيدة، ربما تكون الوحدة الوجودية القاتلة علمت الإنسان الخوف من مجالسة نفسه، وكبدته عناء البحث عن آخرين مثله، يشبهونه ولا يشبهونه، متشابهين حتى التطابق ومختلفين حتى التنافر، يحاول أن يمتزج بهم بعيدا عن عودته إلى الأصل، الرجوع إلى الأصل ليس أصلا حسب اعتباره، بالرغم من أنه يقول غير ذلك في المثل، يضع أمثلة ولا يلتزم بها. ربما هو كائن متناقض بطبعه..

أشعر أنني مسمار جحا صدئ في الحياة حينا، وريشة في يد فنان يصنع فنا رديئا أحيانا، يرسمني لوحة بشعة مكتظة بالبؤس تبكي الناظرين. براغماتي وسط عالم يعج بالبراغماتية، أعيش بهم، ويعيشون بي. كما قال الفلاسفة، الإنسان كائن عاقل، كائن مفكر، كائن ثقافي، كائن يرغب… أقول بكل ما أوتيت من تطفل على الفلسفة: «الإنسان كائن براغماتي». 
يقول الصدى داخلي محاولا النصح: أهرب بجلدك، مارس رياضة التفكير بعيدا عن فقدان مكانتك الاجتماعية، لابد أن تتحكم في نفسك، ليست المرة الأولى التي تتعاطى فيها الحمى، وأسطر عليها بخط أحمر عريض، الحمى فقط. 
يحرقني السؤال: متى يدرك الإنسان أن الطبيعة لا تهتم بوجوده من عدمه؟ هل الخوف منها جعله يعتقد ذلك؟ لا أجد إجابة باردة تخرجني من جحيمه إلى وهم فردوس امتلاك الحقيقة. 
أليس هو الذي قدسها ذات إيمان؟ وجعلها في خدمته ذات إيمان آخر. يقول أحدهم: الطبيعة تخشى الفراغ، يقولها بفخر كأنه سمعها من فمها، الطبيعة لا تخشى شيئا، بل الطبيعة لا تشعر بأي شيء، جماد مخيف تتخلله بعض الكائنات. ملايير الكائنات، لكن الإنسان الوحيد بينها الذي يعتقد أن البعوضة وما فوقها موجودان لملء الفراغ الذي يسكنه، العدم الذي أتى به، والتصق بعضه في أسنانه الحليبية، كم يعيش هذا المخلوق الواهم؟ يوما أو بضع يوم. النملة مثلا أقدم منه، ومع ذلك لم تجرؤ على اعتبار نفسها الأقدم والأجدر بقيادة الكائنات، والتدخل في وظائفها، بل واعتبارها عبيدا في بلاط وهمي، الجعران برائحة الروث العالقة بجسده أقدم وأعرق منه، ومع ذلك لم ينصب نفسه ملكا على المخلوقات.

ما هذا الهراء الوجودي؟ أغلق على الآخر الشكاك داخلي بعنف، وأندمج في الحياة مرة أخرى بعته، وأقطع وعدا على نفسي ألا أصاب بالحمى بعد التهام نصوص فلسفية…