الرئيسية - عمود القلم الأسود - وراء كل صورة حكاية

وراء كل صورة حكاية

من امرأة تتأبط صورة ابنها المعتقل، إلى شاب يغامر بحياته في عرض المتوسط، إلى سحنات الفقراء والمضطهدين، إلى طفل الشارع المرمي هناك في زوايا الوطن المحترق، إلى صفحات العالم الأزرق وهي تلتحف بالسواد، ترستم صورتنا. صورة مغرب القرن الواحد والعشرين.

كأبة، حزن، بؤس، ويأس، وأفق غامض.. صورة سوداوية تغطي الوطن الجريح طولا وعرضا، فمن طنجة حتى الكويرة  ليس هناك  إلا حديث واحد فقط، وهو الكيفية المثلى لمغارة البلاد في أقرب فرصة ممكنة، لا تهم الطريقة التي ستنقلهم من عالم إلى عالم، لكن الهدف واحد، وهو مغادرة التراب وتركه لمن يريد أن يستثمر فيه وحده ويكتبه باسمه وأسماء أولاده إن أراد. المهم أن يفلت  المرء بجلده وهذا الجهنم الذي ينتصب وتحمى ناره  على مهل…

صورة لم تعد وردية كما صوروها لنا مهدنسو الصورة  بداية الألفية، بل أصبحت واضحة ومحزنة، بلا رتوشات أو تعديل أو تغير يحاول إخفاء ما يألم ويحزن، فالحزن والألم غذا العنوان الأبرز لكل مناحي الحياة اليومية، فلم يعد هناك بصيص أمل في المستقبل الآتي. بل  يعم السواد خلفية الصورة وأفقها حتى يكاد يخفينا من الوجود.

حكاية الصورة هذه، أننا كنا في بلاد حلمنا فيها بمستقبل واعد وزاهر، ونحن نستقبل عصرا جديدا من الوعود الوردية صورها الإعلام ومن يدور في فلكه بأن الجنة نحن، ولا شيء سيكون في القادم إلا نحن. لكن في غفلة منا، أصبحت الوعود كلها أوهاما عشناها وفرضنا على أبناءنا العيش فيها أو نتأئجها. أصبح الوطن فجأة ملكا لعصابة من رجال الدولة الأشداء، الذين إذا تجرأت وقلت شيئا فأنت خائن للوطن ولهم، لأنهم هم الوطن.. متمرد، عدمي لا يجوز مخاطبتك ولا التعامل معك، فالوطن هم هؤلاء الرجال الأشداء المتحكمين في الأرزاق والرقاب. عصابة من اللصوص والقتلة، ومافيا التهريب والمخدرات.. مزورو التاريخ والحاضر والمستقبل.

اتضحت الصورة جيدا حينما تجرأ أحدهم واحتج أمام رجال السلطة، فكان جزاءه أنه طحن في شاحنة للأزبال بدون شفقة أو رحمة… هنا استفاق الذين كانوا في سباتهم يسبحون ويحلمون بمغرب آخر غير الذي كان، تفطن الواهمون أن الوطن أصبح في ملك أناس معينون، وأن القادم هو مستقبل البلد، مستقل أسود قاتم. تنكيل وضرب وتعذيب واختطاف واعتقال، وأحكام صورية. لا يحق لك فيه أن تفتح فمك مجددا مطالبا بشيء هو أصل لك، لكن ارتأت العصابة المتحكمة في البلاد والعباد أن تأخذه منك غصبا عنك، واللي في جهدك ديرو كما يقول المثل الشعبي.

هنا اتضحت معالم الصورة جيدا، وبان الوطن مقسما بين حفنة من المرتزقة مزدوجي الجنسية، آكلي لحوم البشر، بائعي الأوهام بالجملة والتقسيط. هنا بان للعيان أن الوطن لهم، والوطنية لنا نحن سكان المدن السفلى…

هنا بانت الحكاية، هي حكاية صورتنا المشروخة.