الرئيسية - عمود القلم الأسود - استراحة - اغتصاب اللغة العربية

اغتصاب اللغة العربية

ولأننا أمة لم تتسلح بالعلم، وجعَل الجهل عظامها نخرة.. فقد أصبحنا لا نحب ما يثقفنا ويحيينا ويبنينا، بل احببنا ما يضحكنا فقط، وهذا ما سيبكينا.

حول ماذا أدندن!؟ ولماذا هذا المدخل لعنوان هو (اغتصاب اللغة العربية)!؟
لا ضير في أن نجد بعض الكلمات العامية في أعمال روائية، وذلك حينما نقرأ لنجيب محفوظ أو توفيق الحكيم أو طه حسين أو محمد شكري أو محمد زفزاف أو بنجلون أو غسان كنفاني أو غيرهم، فهذه الكلمات العامية لم تقع في النص صدفة؛ إنما لأجل غاية مقصودة من الكاتب، ولا تكون هذه الكلمة سرابا.. بل لها وقع تاريخي في ذاكرة القارئ، ولها موسيقى مثيرة تترنم لها الأذن.. لكن ماذا حصل في أمتنا الآن!؟
لا شك أن العالم الأزرق الآن قد أصبح موسيقى موجه لا تغني لنا ( قارئة الفنجان) ولا ( راحلة) ولا ( القمر الأحمر) ولا ( الأطلال) ولا ( منتصب القامة) ولا ( أغدا ألقاك) ولا ( عيرتني بالشيب) ولا ( موشحات فيروز أ و صباح) ولا ( الليل يا ليلى) ولا ( سولت عليك العود والناي)… وانما هي أغاني حول ( البَغْرِير) و ( اللّفْتْ)… إلخ لتصنع لنا سهرات أحاديث القوم فيها لا تخلو من الضحك والسخرية.. وقلة قليلة هي التي نظرت وأبصرت وحللت وناقشت وانتقدت قصد إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن تٌغتصب اللغة اغتصابا قاتلا من قبل أمة بكاملها، وليس من قبل ( الواشمين ) أو (بوزبال) الأوتوبيس… إنه اغتصاب ستنجب لنا معه الأيام جيلا كل أساميه فرنسية، وألفاظه إنجلوفرنسية وليس عرنسية حتى.. وتكون اللغة قد ماتت.. وبموتها لن يكون لتراثنا الفكري والأدبي والشعري ونصوص الوحي أي بقاء بينهم؛ لأنهم لن يفهموا ما يقال لهم..

كيف بدأ اغتصاب اللغة العربية!؟
حين  تم عرض سكيتشات وكوميديا رمضانية مثل: ( الخواسر) حيث يفصّحون العامية: “سأضربك حتى تٌنَقِّزْ”، و “اهرب بِالزَّرْبَةِ”، و”لقد قَوْلَبْتٌكَ”، “لماذا سَتُبَرْزِطُهُ!؟”، “عنده مال بَالزَّافْ”.. إلخ ، وفيلم ( عبدو عند الموحدين) الذي جعل ظاهر بعض الكلمات العامية على أنها فصيحة.. نعم كلنا ضحكنا.. ولم ندرك حينها أن لغتنا الراقية لن تعود عذراء بعد هذه الليلة الماجنة التي سكرنا فيها بخمرة الجهل.. ودخل العريس عليها في برنامج يُعرض للكل باسم التعليم بالعامية بدل الفصحى؛ لأبناءنا لا يفهمون الفصحى.. ومتى كان لطفل لا يسمع إلا الفرنسية بأن يفهم العربية؟ وهل تراه يفهم العامية أصلا؟

الآباء بالفرنسية يتكلمون، واسم المدرسة التي ترعرع فيها ليس عربيا، وأساتذتها _ ذكورا وإناثا_ لا يتكلمون العربية، بل معظمهم ليسوا بعرب أصلا.. فمرت بروتوكولات النقاش في جو ساخن دخل بها عريسنا بدون سروال حياء على عروسة خالدة بجمالها وبسلاستها وبنطقها ومنطقها.. بهية حتى في رقصتها التي تشبه لسان شمعة في كبد ليل مظلم يسكنها القليل من هواء الكرامة لا ريح الندامة.. وهنا كلنا ضحكنا أمام الشاشة.. والآن نسخر مما طُبع على الكتب من مصطلحات عامية وسط نصوص عربية.. عفوا.. نصوص كلها عامية!

صدقوني لسنا أمام فرد واحد، أو أمام عاشق ومُريد للمال وزينةِ امرأة فاتنة هي العامية.. نحن نحب لهجتنا وبها نتكلم.. ونريدها أن تطرب أذن العالم بأكمله، ولكن ليس على حساب اغتصاب اللغة العربية! بل نحن أمام تلذذ بخمرة الجهل، ورصاصة هي سيجارة القضاء على جيل وتراث بكامله.. أظن أن بعضكم يخيل إليه أنني قد هولت من الموضوع، وزدت طينه بلة… ولكنها الحقيقة المؤلمة.. ماذا تنتظرون في قابل أيام بدأ اغتصاب اللغة فيها بالشاشة وانتهى بالكتاب.. إنني أحذر قوما يفقهون، وأكتب لأناس يعلمون..
ولكي تفهموا جيدا دندنتي، سأبين شيئا مما قد غاب عن نصي وهو مما كاد يغرق في موجنا الأزرق..
أولا : ما يتعلق باللغة، ذكرته، ثانيا: فيما يتعلق بغرس ثقافة جديدة عن ثقافتنا الإسلامية والإنسانية: حينما يقول نص: ( لماذا لم تلد الأرنب؟) وذلك بعد أن جعلها أمين في صندوق بعيدة عن زوجها.. هنا نتعلم شيئا عن التوالد.. لا ننكر القول بأن هذا الأمر ليس فيه شيء، بل درسنا أكثر من هذا.. ربما الفئة العمرية هي التي تناقَش في هذا.. فهم بهذا قد حاولوا إدخال ( الثقافة الجنسية للطفل) وهذا موضوع آخر.. وحينما يقول نص : ( أمي تحب أن تحفر في الحقل، وأبي يحب أن يخبز الخبز)، أظن أن هذا لا يدخل في ثقافتنا.. سيقول قائل: وما العيب في أن تعمل المرأة في الحقل، والرجل في المطبخ؟ أجيبه بلغة عربية لم تغتصب بعد:  كان عليهم القول وعليك الفهم بالجملة البسيطة الآتية: تحب أمي أن تساعد أبي في الحقل، وأبي يحب أن #يساعد أمي في المطبخ..

فأي جيل سينجبه لنا واقع اغتصبت فيه العربية اغتصابا عنيفا ونحن قد اختبأنا أسفل ناموسية اهتزت جوانبها في العلن!؟

حاضر مؤلم، ومستقبل أشد ألما لا قدر الله.