فليسقط مثلكنّ اللعين

يوسف بخوتة

حين كنا صغارا، صغارا جدا. كانت أمهاتنا تعلمنا معنى الحياة ونحن نهموا بأن نخطو الخطوة الأولى. وحين كبرنا قليلا كنّ يعلمنا كيف نعيش. كيف نقفل أزرار القمصان والسراويل، وكيف نربط أشرطة أحذيتنا المهترءة. علمونا كيف نصبوا الماء على رؤؤسنا ونحن نغسلها من الغبار الذي التصق بشعرنا أثناء لعب شيطاني. وعندما كبرنا واشد عودنا علومنا كيف نحيا. كيف نسد أفواهنا لأن الوقت خايبة.علمونا كيف نقول للجرو سيدي.. علمونا كيف نقضي حوائجنا بنعم سيدي.

قصت علينا الأمهات والجدات في زمن لم يكن البلوتوت والهاتف النقال له أثر في الوجود، قصص لأناس متسلطون، وكيف كانوا يزرعون الخوف في نفوس الخلق. لا لشيء إلا أنهم يملكون مالا وقوة وجبروت. وكيف كان الخلق يخافوا ويهابوا من هم أكتر منهم مالا وجاها وسلطة. والغريب في قصصهن هذه لا يوجد البطل لينقذ هؤلاء الخوفة من جبروت السلطان. كانت قصصهن ناقصات. كنا نستمتع بها حقا، لكن عندما كبرنا وقرءنا لوحدنا القصص المحبوكة لكتّاب عظام أدركنا معنى الخوف. أدركنا ماذا كانت تعلمنا الحياة المنسوجة من طرف أمهات أميات لا يعرفنا إلا الخوف، الخوف من الزوج، من الزمن، من الفقر، من الجوع، ومن، ومن…  ومن فلان الذي يمكن أن يفتك بكل الناس لأنه يعرف القائد، ولاجودان، والقاضي، ويمشي مع البرلماني في الحملات الدعائية.

لم يكن يعلمن أنهن يعلمننا شيئا فضيعا إسمه الخوف والجبن. ليس الجبن بمفهوم الكوزينة – لأننا لم نتذوقه قط –  لكن الجبن بمفهومه الصحيح. لم يكن يعلمن أن ما يشحنونه فينا اسمه الخذلان والهروب من الواقع. وأن تلك القصص الناقصة بلا بطل كانت تساهم في بسط الظلم لسيطرته على عقولنا. وإن أردنا يوما أن نقول لا، كانت تلك القصص سجنا لنا تقيد ألسنتنا قبل أيادينا. لأن الخوف متجدّر فينا منذ أن علمتنا أمهاتنا كيف ننطق في حضرة من هم أكبر منا. فمفهوم الرفض أقبر فينا منذ أن كنا صغارا، صغارا جدا.

ومن يتأمل الواقع الآن، يتبين له أن ذلك حقا. فلماذا لم يتكلم العربي منذ مدة؟ لماذا تكلّم الآن بالضبط في عصر أحضان الكومبيوتورات المحمولة والثابتة والفيس بوك وليس في عصر أحضان الأمهات؟ لأن ما كنّ يعلمنه لنا  كان خوفا علينا من الجبروت. دون أن يعنّ إنهن يرميننا في حضن هذا الجبروت ليغتصبنا. لأننا خائفين لا نقدر على إخراج كلمة (لا) أو أنت حقير يجب أن ترحل. الرقابة التي كانت الأم تفرضها على الإبن خوفا عليه كانت سلبية حقا. لكن حين تحرر الطفل من الرقابة استطاع أن ينطق. لأنه قرأ القصص بأبطالها. ليس قصصا مجردة من شخصيات الأمل. وما كان فيها إلا شخصيات الألم الذي يولد الخوف والعيش مذلا. فحذاري أن تقصن القصص هكذا كما قصصناها لنا أمهاتنا في السابق. قصنّ القصص بأبطالها لان لا مجال للخوف بعد الآن. وليسقط مثلكن اللعيين. اللي خاف ما خافت عليه مو.