الرئيسية - عمود القلم الأسود - ما بقى ما يليق…

ما بقى ما يليق…

جرت العادة أن يلقوا مسؤولينا الكبار تصريحاتهم المزخرفة على مسامعنا و أن يدعوا أن المغرب أجمل بلد في العالم: أحسن من تركيا… و ينافس أمريكا في مجال حقوق الانسان… و أنه بلد ذو مشاريع اقتصادية عملاقة سوف تعود بالنفع على المغاربة…. تزيين صورة المغرب و وصفه بأحسن بلد في العالم، جعلته يصاب بعين حاسدة في المقتل. كل التصريحات التي أثقبت طبلة أذننا لا يعكسها الواقع و خير دليل على ذلك موجة الأحداث الأليمة التي يشهدها المغرب الآن، أحداث تدمي القلب و تنطق الحجر، أحداث أفسدت خلوتي التي اخترتها بعيدا عن ضجيج الحياة، و جعلتني أنبعث من قوقعتي كحلزون في صباح ماطر.

عندما ننظر الى واقعنا من زاوية محددة نجده يتغير ويعرف تحولا نوعيا نحو الأسوء، في الوقت الذي تتقدم فيه كل المجتمعات من أجل مواكبة المستجدات و ضمان الاستمرارية للفاعل الاجتماعي و نظمه أمام تحديات العولمة. لقد اكتشفنا بأن المغرب ليس أجمل بلد في العالم كما كنا نتوهم أو كما أرادوا لنا أن نتوهم، و الدليل هو الهروب الجماعي الى أوربا بحثا عن حياة أفضل و هروبا من جحيم لا يطاق، شباب في مقتبل العمر يغادر المغرب على متن مراكب الموت، البعض يقطع البحر بنجاح و البعض الآخر يخنقه و يرمي بقاياه على شاطيء مهجور أو يقدمه قربانا للحوت الأزرق. طاقة شبابية تغادر مسقط الرأس بحرقة و تغامر بأغلى ما تملك وسط الأمواج الغاضبة و الأسماك الجائعة و أحيانا طلقات الرصاص الحي الذي يقضي على حلم قبل الآوان، تماما كما وقع لطالبة في عمر الزهور و التي أسقطت برصاصة و هي تحاول الهروب من واقع مفترس، فتاة لم تنهب ثروة بلد ولم تسرق ميزانية دولة، بل أرادت فقط الهروب بلحمها و شحمها الى مكان آمن من الكرة الأرضية.

اذا كان المغرب أجمل بلد في العالم، لماذا يفر منه شبابه؟ خيرة أبناء هذا الوطن يرمون بأنفسهم الى عرض البحر أملا في الوصول الى الضفة الأخرى بحثا عن حلم محفوف بالمخاطر وامكانية نجاحه ضعيفة جدا. رحم من قال:”عمار القط ما كيهرب من دار العرس”.تصريحات يراد منها طمأنة الرأي العام و تثبيت مقولة:” العام زين” في أذهان المغاربة، لكن للواقع رأي آخر عندما تكشف غطاءه.

يمكن القول بأن المغرب جميل بجغرافيته و طبيعته و موقعه و مناخه و بحوره و غاباته… هذا الجمال عطاء رباني، أنتم أيها المسؤولين ماذا قدمتم للمغرب و خصوصا في الشق الاجتماعي: حالات انسانية تدعو الى الشفقة و لا من يتدخل، انتشار الجريمة بكل أنواعها في المدن و القرى، القتل و الذبح في الشارع العام وثقته الكاميرة بالصوت و الصورة كما وقع في مكناس و فاس، زد على ذلك حالات الانتحار التي تتزايد بشكل مطرد نتيجة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية المتدهورة، مواطنين يعيشون تحت عتبة الفقر و آخرون يعملون في أشغال تفتقد لأبسط شروط الكرامة الانسانية… و تدعون بأن المغرب قد أحرز تقدما في مجال حقوق الانسان. شخصيا لم يظهر لي أي تقدم في هذا المجال و البلد مملوء بالتعساء و المحرومين و المظلومين و الصابرين على الوضع و المحكومين ظلما و عدوانا… أين هي المشاريع الاقتصادية العملاقة التي سوف تخرج المواطنين من براثن البطالة و تحقق الدخل القار لهم؟ مشاريع صناعية كبرى جنت ثروة هامة و استنزفت طاقة اليد العاملة بأبخس الأثمان، مشاريع تزيد فقط “الشحمة في كرش المعلوف”!!!

نعيش في مغرب المشاريع العملاقة و مغرب الاحتجاجات المتنامية هنا و هناك مطالبة بالعيش الكريم، مغرب “جوج بحورا” و مغرب المدن العائمة في برك مائية جراء انسداد جوامع المياه، مغرب المخطط الفلاحي الأخضر و مغرب المعاناة المتعددة التي يعيش فيها سكان القرى.

من المتوقع أن تنهار الأوضاع الاجتماعية في القريب العاجل اذا لم تتدخل الدولة العميقة و تتفهم معاناة المواطنين و تستجيب للمطالب فورا قبل فوات الآوان. أما الانتخابات و البرلمان و الحكومة… سوى آليات لمسرحية هزلية لا تنتهي. صدق قول الشاب ميمون في أغنيته:”القاضي، الباشا، و يا شيخ الحومة ما بقا ما يليق، ما بقا ما يليق…”