الرئيسية - إبداع - حليبُ آخرِ العُمْر (أقصوصة)

حليبُ آخرِ العُمْر (أقصوصة)

 

الغرفةُ التي قضى فيها نصفَ عُمْره أو قليلاً، والتي هي ملاذٌ لأحلامه وأشواقه، ومرتعٌ لصبْوتِه وجنونه، وحَضانةٌ لذريته، تتبدَّى له اليوم أشبه بغرفة مومياء، وهو فيها كأنه جثَّةٌ محنطة، لكنها ترسل أنفاساً.. أنْفاساً مجهدةً…!

ها هو مُمدَّدٌ فوق سريره القديم، يكادُ يتقلَّبُ عليه بصعوبةٍ، تئنُّ الشراشفُ بأنَّاته، وتزفر الوسادةُ بزفراته، وتقاسمه الغرفةُ بما احتوت عذاباته وهذيانه وخيالاته البغيضة.

يقبعُ فيها وحيداً أغلب ليله ونهاره، يحدق في السقف بعينين زائغتين، ترفان قليلاً، يترقب بصمتٍ كئيبٍ أن يهبط عليه زائرُ الأرواح في أي لحظةٍ، فيسلم له الأمانة التي راح يشكُّ أنه حافظ عليها كما يجب!

جعل نفسه في حالة الترقب هذه، ولم يحِدْ عن فريضةِ الانتظار منذ أن رأى جسده يذوي يوماً بعد يومٍ، وخرج عن طاعتِه، ويتصرف فيه آلُه دون رغبتِه، والأطباءُ دون وعْيٍ منه.

شيءٌ فظيعٌ أن يكون جسدُك طوْعَ غيرك، ولو كانوا يلفونه في الحرير، وبالأحرى أنْ يُطعِّموه بالأمْصال والعقاقير، ويطْعنوه بالمَشارط والحُقن!

والأفظع أن يشعر صاحبُه أنَّ جسدَه يهزأ به وبمن يختبرُه، وأنه في أي لحظةٍ سيخونُه مع زائر الأرواح، ويذهبُ به إلى حيث الظلام والدودُ، فيمعن في إذلاله والهزء به أكثر!

تناهى إلى سمعه صراخُ حفيدته حديثة الولادة، أراد أن ينادي بصوته العالي، كما عهد أن يفعل، وأن يأمر كنته أن ترضع الحفيدة، فلاشك أن الجوع ما اضطرها إلى الصراخ، لكن حنجرتَه خانته هذه المرة، وخرجت من بلعومه حشرجةٌ كريهةٌ… قبض على هاتفه المحمول، وطلب منه أم العيال…

آلمه أنه صار يدعو زوجته بهذه الوسيلة، وهي معه في نفس البيت، وتمنى لو أنه مات قبل هذا!

لم ينس بعد حضوره الطاغي في البيت، ولم تتلاش في ذهنه أصداءُ صراخه وزعيقه وأوامره ونواهيه بصوته القوي، وقد كان الجميع يعملون له ألف حساب؛ فقد كان يكفي أن يصل إلى أسماع زوجته وأبنائه وزوجاتهم هديرُ محركِ سيارته القادمة عند الظهيرة، أو في أول الليل، حتى يهرعوا جميعُهم إلى استقباله، وكأنه رئيسٌ أو قائدٌ، فيقف من كان جالساً، ويحضر من كان غائباً، ويسكتون جميعاً…

وها هو اليوم منْ يسكت، وهم يتكلمون، يتكلمون بما يريد وبما لا يريدُ…

ها هم جميعاً بمن فيهم الأحفاد الصغارُ، يخرجون ويدخلون، يغيبون ويحضرون، ووحده من يقبع في البيت يلزمُ الفراشَ.

كيف حدث هذا؟

أتى عليه حينٌ من الدهر فسقطَ..

حملوه إلى طبيبٍ.. شخَّصَ الطبيبُ حالته.. أمر بنقله على عجلٍ إلى مصحةٍ خاصَّةٍ.. المصحة ألزمته بفحوصات، وتحليلات، وأدوية، وكانت كلها غالية، ثم بعدها عملية جراحية، استأصلوا خلالها جزءاً عظيماً من رئته!

عادَ شخصاً غير الشخص؛ عاد ناقص الرئة، مُنْتهكَ الصدر، وبعذاب شديدٍ في التنفس، وفي النطق، وفي النوم، وبمرارةٍ في استطعام ما بقي من مَعيشتِه.

وكيف تكون حواسُّ من خرب صدره، ودخلت جوفه سوائلٌ تعكِّرُ دمَه؟!

وأيَّانً؟

في سنٍّ أدنى إلى نهاية العمر، وبوجود أحفادٍ يملأون أيامه الأخيرة زهْواً وخيلاء!

آهٍ من مثل هذه الأيام التي تجري على عكس ما يتمنَّى المرءُ؛ فبدل أن ينعم براحةٍ في آخر عمره، ويفوز برضا العيشِ، ويظفر بمسك الختامِ، تحْكُمُ عليه الأقدارُ أن يتألم، ويتعذب، ويتابع بحُزن وضُعفٍ ما تخفي الصدورُ حوله من مشاعر متضاربة، وعواطف متباينة، أكثرها تنِمُّ عن القلق والعجز!

لا أحد يقبلُ المرضَ، وأهلُ المريضِ قبل المريضِ نفسِه، وإذا أرهقهم بخاصَّةٍ، وأصابَ مواردهم البسيطة بالنقص، وهدَّد جُيوبَهم بالإفلاس!

هو أدْرى بأحوال أبنائه، وأعلمُ بما يكسبون وبما ينفقون؛ فهم أدنى إلى الفقراء، وبالكاد يحصلون على قوتهم وقوت عيالهم، ويُسدِّدون ما يَطْلُبُ عيشُ هذا الزمن الصعبِ من مصاريف ونفقات…

فما ظنكم بمن قضى جُلَّ حياته يبيعُ الحليب واللبن؟!

أيكون من أهل اليسار، أم يكون من أصحاب الكفاف، يعيشُ بنعمة من الله وفضله؟!

إنه يعيشُ مستوراً، والله يجعلُ له البركةَ في تجارتِه، وقد خيَّرَ اللهُ نبيَّه محمداً بين الخمر وبين اللبن، فاختارَ اللبنَ، وبارك الله له اختيارَه، وكذلك صاحبُنا رجا البركةَ في تجارتِه ومالِه، وآملَ الستر في بيته وآلِه.

لكن، ما باله انكشف في آخر عمره، ونزَع عنه المرَضُ اللعينُ لباسَه، وتبدَّى مسكيناً يرثي لحالِه الأقاربُ والجيرانُ؟!

وقفت عليه زوجتُه، وسألته بصوتٍ مُتْعبٍ:

– هل تريدُ شيئاً؟

تحامل على حنجرتِه، وسألها ما شأنُ الوليدة، وما سبب صراخها؟

قالت له مُشفقةً ألا يحمل همَّ أحدٍ، ويهتم بصحته فقط.

أرادَ أن يصرخَ، أن ينهرَها، ويعلن لها أنه لا يطيقُ صراخاً أو بكاءً، ولا يقبل تهاوناً أو إهمالاً في بيته، فهو ما زال سيد البيت!

أدركته نوبةُ سعالٍ، فابتلع صراخَه المتحشرجَ، وعلت وجهه علامات الغضبِ، سرعان ما وَعتْها زوجتُه، فحاولت أن تجبر خاطره بكلمات طيبةٍ، وتجعله يطمئنُّ إلى أنَّ مكانته في البيت لم تتزحزح قيد أنملة في شعورهم نحوه، وأنَّ كل ما يطلبه أو يأمر به ينفّذُ.

ثم انحنت عليه تسويِّ وضعَه في الفراش، فلوَّح له بيده بنفورٍ، وأشاح عنها بناظريْه، وكأنه يأمرها بمغادرة الغرفة.

عاد إلى التحديق في السقف، وراح يتابعُ بذهنه شريطاً من الذكريات القريبة والبعيدة، وأكثر ما وقف عنده غُدوُّه ورواحُه، وهو يبيع الحليب واللبن، ويوزعه على الدور والمقاهي.. ووقف أكثر عند اللون الأبيض، وانصرف به الخيالُ إلى المصحَّةِ التي ترك فيها جزءاً كبيراً من رئته، وهجس في نفسه قائلاً:

شتان بين لون أبيض الحليب، وبين لون أبيض الطبيب!

لم يبق إلا رئة ناقصة، ورأسٌ هي جُمْجمةٌ عاريةٌ ملساء!

أمسك بيد زوجتِه، إذْ لم تكن غادرت الغرفة بعد، وقال لها بصوت واهنٍ مبْحوحٍ:

  • اجعلوا الصغيرة تشرب الحليب.

هزت الزوجة رأسها، عدلت الغطاء فوق صدره، وخرجت، واستسلم هو لحالة الانتظار…