الرئيسية - المقالات - فاطمة الزهراء و شركة انتاج أجزاء السيارات.. دعوة صريحة للتفكير قبل فوات الآوان

فاطمة الزهراء و شركة انتاج أجزاء السيارات.. دعوة صريحة للتفكير قبل فوات الآوان

   تكاثرت كالفطريات في الآونة الأخيرة ببلادنا شركات صناعية كشركة “dilfi“و “yazaki وyoura “… لانتاج أجزاء السيارات. هذه الشركات شغلت الشباب العاطل و قلصت نسبة البطالة، الشيء الذي جعل المغرب يعرف تقدما صناعيا في الآونة الأخيرة لا مثيل له كما يروج الاعلام الرسمي. لكن حكاية فاطمة الزهراء تكشف عن الوجه الآخر لهاته الشركات، و تكشف المستور عن الواقع الاجتماعي للعمال و ظروف عملهم المزرية التي تدفع العديد منهم الى المغادرة.

   فاطمة الزهراء واحدة من الكثيرات اللواتي يعملن بمعمل “دلفي” لانتاج أجزاء السيارات نواحي مكناس، هذه الشابة الطموحة التي اختارت هذا العمل عن طواعية من أجل تحسين دخلها و مساعدة أسرتها، تعرضت بعد شهور من العمل الدؤوب لانتفاخ في ساقيها جراء الوقوف ثمان ساعات متواصلة أثناء العمل. على اثر هذا الانتفاخ الذي أصاب أسفل رجليها نصحتها طبيبة المستشفى بالتوقف عن العمل و التوجه الى مستشفى محمد الخامس لاجراء التحليلات الطبية و معرفة سبب المرض. زرتها هناك ذات مساء و خلال الدردشة التي دارت بيننا أحسست بمرارة المعاناة التي يتعرض لها العامل أثناء مزاولة عمله في مثل هاته الشركات.

 

   تتعرض فاطمة الزهراء كباقي العاملين للارهاق الشديد جراء العمل المستمر و المتسلسل و كذا السرعة في الأداء، كما أنها تصاب بالعياء أثناء العمل بسبب الوقوف ثمان ساعات يوميا ما عدا يوم الأحد، وقد تتمدد ساعات العمل الى اثنتي عشرة ساعة. أما التعويض على الساعات الاضافية لا يتعدى خمس دراهم للساعة الواحدة، اضافة الى عدم احتساب أيام المرض رغم حصولها على شهادة طبية تكشف عدم قدرتها على العمل، زد على ذلك سوء المعاملة و تعرض العاملين للسب و الشتم، كما يتم منعهم من الذهاب الى المرحاض أكثر من مرة واحدة، و يسمح لهم بتناول الأكل في مدة لا تتعدى عشرين دقيقة… هذه الاكراهات و غيرها تقع في شركة “دلفي” لانتاج أجزاء السيارات بنواحي مكناس.

  

   شركات و مقاولات جشعة تستنزف طاقات شبابية بثمن بخص و في ظروف لها انعكاس سلبي على نفسية العامل الشيء الذي يجعل العامل يشعر بالتعب و يفضل الغياب و التفكير في المغادرة بصفة نهائية، و أحيانا التمرد، و طبيعي أن يتمرد العامل حتى لا يفقد انسانيته، يقول تشي كيفارا: اذا فرضت على الانسان ظروف غير انسانية ولم يتمرد، سيفقد انسانيته شيئا فشيئا.

هذا اللاهتمام بالعنصر البشري و فعله داخل المقاولة يؤدي الى مجموعة من الانحرافات لها انعكاس سلبي على الجانب النفسي و الاجتماعي و على الانتاجية أيضا. هذه المشاكل الانسانية و غيرها سقطت في فخها أوربا و أمريكا خلال منتصف القرن 20 فحاول مجموعة من الباحثين تصحيح الوضع و مواجهة المشاكل التي ينتجها العمل داخل المقاولة أو الشركة، فظهرت سوسيولوجيا التنظيمات التي حاولت تناول مجموعة من الإشكالات الأساسية لتقديم فهم سوسيولوجي لمختلف التنظيمات، و هذا ما يجب على أرباب العمل فهمه و الاطلاع عليه قبل فوات الآوان، عليهم أن يستفيدوا من دراسات سوسيولوجيا التنظيمات و تكييفها مع الواقع المغربي.

 

   عند رجوعنا الى الارث السوسيولوجي المتعلق بسوسيولوجية المقاولات نجد دراسات شتى في هذا المجال تهتم بطريقة اشتغال و تدبير المقاولة و اعتمادها على مباديء علمية عقلانية عالمية، أفكار مهدت الطريق لخلق مقاولة ناجحة على يد: ماكس فيبر و فريديريك تايلور و هونري فايول… فيما يعرف بالمدرسة الكلاسيكية. أفكار هؤلاء كانت بمثابة حجر الزاوية لمدرسة العلاقات الانسانية التي مثلها: التون مايو، ابراهام ماسلوف، فريديريك هرزنبرغ… هذه المدرسة اهتمت بالعنصر البشري داخل المقاولة و هذا هو مربض الفرس، فركزت على الأبعاد المرتبطة بالحاجات الفردية والنفسية للعامل من خلال تصور اجتماعي لمدى تأثير الحاجات النفسية وقيمتها في بناء وتشكل ممارسات وسلوكات العمال في فضاء عملهم.

 

   أدت أبحاث التون مايو الى تفهم المواقف الانسانية و السلوكية في محيط الاعمال و اكتشاف مشكلات العمال و معالجتها لخلق تعاون فعال بين الادارة و العمال، فدعى مايو الى تخفيض ساعات العمل، اجازات سنوية، تحسين ظروف العمل، المعاملة الحسنة للعاملين لترتفع معنوياتهم وتزداد قابليتهم للتعاون. أما ابراهام ماسلوف اهتم بنظرية اشباع الحاجات وهي خمس أصناف من الحاجات مرتبة حسب تراتبية تصاعدية، رتب ماسلوف الحاجات في شكل هرم سمي بهرم الحاجات: حاجات عضوية، السلامة، الحب و الانتماء، الاحترام، تحقيق الذات، ويعتبر هرم الحاجات وسيلة مفضلة بالنسبة لبعض الوظائف كوظيفة تسيير المستخدمين ووظيفة دراسة السوق. و يرى فريديريك هرزبيرغ أن الانسان يسعى الى اشباع الحاجات البدائية كالأمن و من تم لاشباع الحاجات الروحية كالحاجة الى الابداع، و لتحفيز الانسان لابد من اشباع سياسات تؤمن الدخول و ظروف حسنة للعمل.

 

    تراكم مجموعة من الأطروحات التي أثثت المستوى النظري والامبريقي لعلم اجتماع الشغل جعلها تؤسس براديغم جديد لمقاربة مسألة التنظيمات، فظهر تخصص قائم بذاته هو علم اجتماع التنظيمات الذي تجاوز الأبعاد التقليدية لعلم اجتماع الشغل. هذه المجهودات لسوسيولوجيين كبار لم تنعكس على فاطمة الزهراء و لا على عمال شركة “دلفي”.