الرئيسية - عمود القلم الأسود - هل نحن حقا في العهد القديم؟

هل نحن حقا في العهد القديم؟

انتشرت كالنار في الهشيم عبارة لممثل كوميدي مغربي معروف ضمن مسلسل درامي بث على القناة الأولى قبل 20 عام من الآن. عبارة كانت عادية في ذاك الزمن، لكن بقدرة “فاسد” أصبحت لسان الكل في الآونة الأخيرة. وهي تعبير ساخر لما هو واقع ويقع بالبلد السعيد المغرب.
عبارة “راك غادي في الخسران أ حمادي” انتشرت كهتشاگ على حيطان فيسبوكية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي. وهي تعود للفنان القدير نور الدين بكر في مسلسل سرب الحمام  سنة 1998. لكن عودتها الآن وفي هذا الزمن الرديء له مدلول كبير جدا، فبعد كل المحاولات الجادة والحركات الاحتجاجية على الواقع المزري الذي يمر به البلد وسيمر به في القادم من الزمن الفاسد. كان لابد للسان الشعب المغربي والطبقات المسحوقة منه والكادحة سكان الأسفل أن يتغير، وهذا التغير سيكون سخرية سوداء وصور غاية في الهزل التنكيت.
“راك غادي في الخسران” هي رسالة ساخرة مشفرة و”مسننة” لمن يسهر على هذا البلد والعارف بخباياه. فهي لم تكن هزلية إلى درجة يمكن استصغارها واعتبارها أمرا عاديا، بل هي رسالة مشفرة تضرب ما تحت الحزام وتلمس مكامن الجرح المندمل. ففي المجتمعات المنغلقة والتي تعيش تحت وطأة الاستبداد والفساد تكون السخرية السياسية هي المنفذ الوحيد للتسرب إلى دواليب الحكم، فما إن تظهر نكتة حول زعيم معين إو رئيس، حتى يتداولها الناس بكثير من السخرية والتهكم، ولنا في عهد حكم الحسن الثاني أفضل مثال، حيث ازدهرت النكتة السياسية وكانت السبيل الوحيد للدخول بفئات شعبية كبيرة بمخيلتهم إلى ما وراء أسوار القصر الملكي. وهذه المخيلة الشعبية تحتفظ بالعديد من النكت والطرائف الساخرة التي كانت تروى أنذاك في عصر الحكم الحسني.

أما في العهد الجديد الذي سمي وقتا ما بعصر الانفتاح وحرية التعبير، وخاصة في بداية الألفية، فقد خفت النكتة السياسية نظرا للانفتاح والصورة الجميلة التي سوقوها مهندسو النظام عن النظام نفسه. لكن هذه الصورة لم تكن إلا وهم سرعان ما تبخر  والكل يرى كيف سيطرت وأحكمت حفنة من الحثالة على أرزاق البلاد والعباد، وانتشر الفساد في أي مكان. وعمت الفوضى كل شيء، فتغول من تغول إلى العليين وتكور من تكور إلى أسفل سافلين. فكانت لابد لأصوات شريفة أن تظهر وتنادي صراحة بمحاربة هذا الواقع المزري، ظنا منها أنها تنعم بكثير من الحرية، هذه الحرية التي لم تكن إلا سراب سرعان ما تلاشى وسط الفوضى المفسدة. فقد زج بالعديد من هذه الأصوات في الزنازن، واختفت وجوه إلى الأبد، واستفاق الشعب على كابوس اسمه “العهد القديم”.
استرجع المواطن أنفاسه وهو يستفيق من كابوسه هذا الذي سيغدو سريعا حقيقة معاشة. وكان لزاما أن يجد شيء غير الاحتجاج الصريح والرسائل الواضحة للتعبير عما يخالجه من أحاسيس تجاه هذا الوطن، وكي لا يدخل السجن أو يغيب كما في العهد القديم ارتمى في حضن السخرية. كل مرة يخرج لنا بشيء يقدف به في وجوه الحثالة من القوم.