الرئيسية - المقالات - ثقافة - توريا وقاص تبتسم في وجه قرائها

توريا وقاص تبتسم في وجه قرائها

في سيرته الذاتية (الرحيل) يحكي “العربي باطما” عن مُعلِّمٍ للرياضة «أحبَّهُ الكلُّ، لأنه كان بشوشاً وصاحب نكتة…»
ويذكُرُ “باطما” أنَّ هذا المعلِّمَ كان يأخذُهم إلى الخلاء، ثم يجلسون بشكل دائريٍّ، ويقومُ أحدُهم ويلُفُّ راكضاً حول الدائرة، ويضع طاقيتَه وراء أَيِّ تلميذٍ من اختياره، على غفلةٍ منه، فإذا اكتشف هذا التلميذُ الطاقية، يدخلُ التلميذُ الراكضُ إلى وسط الدائرةِ، ثم يرفعُ رِجْلاً ويقفُ على الأخرى… أمَّا إنْ كان العكسُ، فإنَّ التلميذَ الآخرَ هو الذي يقفُ وسط الدائرة…
إنها لعبةٌ بسيطةٌ لكنها مَرِحَةٌ، لاشكَّ أنَّ هناك من لعبَها في طفولته، ويتذكرها اليومَ… وأخالُ أنَّ الأستاذة الدكتورة “ثريا وقاص” نفْسَها لعبت هذه اللعبة في طفولتها ومع أقرانها أو إخوتها، أو أنها عرفتْها في ماضيها السعيد!.. وربما من هذا المنطلق اختارت عنوان كتابها (الدائرة في المنتصف)!.. أو لأنها تعي تماماً أنْ «لا أحد ينسى طفولتَه.. وحين يسترجعُها.. يعودُ إليها الجميعُ .. بمنتهى العذوبة..».
من قالَ لي إنَّ ماضيها كان سعيداً؟!
شذراتُها يا سيدتي، ويا سيدي… وتلك الابتسامةُ التي لا تكادُ تفارقُ ثغْرَها، وتلكما العينان اللتان تختزنان الفرح والأمل والتفاؤل…
ودعْ عنكما ما تعبر عنه جوارِحُها، واقرأوا ما تعبر عنه شذراتُها… كلُّ شذرةٍ هي خفقةُ قلبٍ لا يقهره الحزنُ، ولا يغلبُه اليأسُ.. كلُّ شذرةٍ هي قطعةٌ من نور الحياةِ الذي يبدِّدُ الظلامَ.. كلُّ شذرة هي صدقَةٌ في أيدي المتعبين والمحزونين والمتشائمينِ، ألم يقل رسولُنا الكريمِ «تبسُّمُكَ في وجه أخيك صدقةٌ»؟.. ها هي “ثريا وقاص” تتبسَّمُ في وجوه قرائها، وتتصدَّقُ عليهم بشذرات تحملُ الأمل، وتعبقُ بالرَّوْح والريحان.
أبوها الذي غادر ولم يغبْ..
أُمُّها التي «لم يكن لها كرسيٌّ معيَّنٌ.. وكانت في كل الأمكنة»..
أخوها الذي «كلما مشى جنْبَها سمعت أُمَّها في قلبها تمشي»..
الأختُ التي «تتركُ في القلب حناناً لا ينضبُ.. طول العمر»..
الصديقُ الذي نحتاجُ أحياناً «أن نضع رأْسنا المتعب على كتفه»…
هؤلاء هم الذي يشغلون دائرتها، بينما هي تقفُ في المنتصف، ترنو إليهم بعيون قلبِها، وتنظر إليهم بلهْفَة الأم – أو الأختِ الكبيرة – يركضون، ويركضون، في الحياة.. منهم من يحملُ طاقية الإخفاء، ومنهم من يحمل باقة الورد، ومنهم من يحملُ الجراحَ، ومنهم من يحملُ الأفراح، ومنهم، ومنهم… لكن، هي تحملُ للجميعِ قلباً ينبضُ بالمودَّةِ والرحمة، وأكثر ينبضُ بالأمل والتفاؤل، وهي تقفُ وسط الدائرة بقدميْنِ ثابتتيْن، وتكتب وهي منسلخة عن ذاتها.
شذراتها هي تأملات.. وأي تأملاتٍ؟ تأملات في الحياة.. وأي حياةٍ؟.. حياة سعيدة، أو أنه ينبغي أن تكون سعيدةً…