البحث عن الاستقرار

فريق التحرير

 مراد العلالي
 
ا

 

 

 

 

 

 

لساعة تشير إلى الثامنة صباحا حيث تنطلق الحافلة التي تتوجه إلى مدينة الضياع, مدينة استعصى على هؤلاء الطلبة أن يجدوا موطنا يأويهم داخل فضاء يتسع للألف من المواطنين, لكن الحظ أبى ان يمنحهم من نصيبهم و لو القليل الميسور. بل منحهم الضياع و التنقل من شارع إلى أخر, و من درب إلى أخر, و من أزقة يملأها السكارى ,و أخرى يغمرها ظلام اللصوص.
سأل خالد صديقه أحمد عن الخلاص من هذه الحياة التي أبت ان تمنحهم الاستقرار.
فأجابه أحمد: لا يمكننا يا صديقي الحديث عن الخلاص او البقاء او غيره الان .بل يجب ان نفكر في المكان الذي  سيأوينا هذه الليلة .
فأجابه خالد: آه…آه…لو كان الواقع مغاير تماما لما نحن فيه, لكانت حياتنا, كحياة جميع الناس الذين يعيشون الفرحة و البهجة, و يتقاسمونها مع أهاليهم و أصدقائهم .لكن نحن نتقاسم الالم و الغربة و الضياع في مدينة الذئاب. كل فيها يقول .” أراسي أرسي لا أحد يبالي بمن في الشوارع بدون أكل و بدون مأوى..؟؟
أحمد:نعم يا صديقي إن كانت الغربة في الاوطان فها نحن نعيشها باحثين عن ملجإ يأوينا.
خالد:لكن ياصديقي احمد اتظن اننا اذا وجدنا مسكننا ستنتهي غربتنا و ألمنا..؟
أحمد:لا يا صديقي,بل ستكون بداية لمعاناة من نوع أخر,سندخل غمار المعاناة المادية و النفسية و حتى المرضية.. 
خالد:اذن لماذا نبحث عن الاستقرار,إذا كان سيجعلنا نعيش كل هذه المعاناة.فلنجعل الفضاء كله مسكنا لنا ,لا داعي للبحث عن المسكن.”البيت”                                  
احمد:لا يا صديقي خالد,يجب علينا أن نبحث عن بيت صغير نجتمع فيه ,انا و انت و كتبنا هاته,التي تنتقل معنا في الشوارع باحثة هي الاخرى  عن الستقرار .فالموطن ضروري حتى نستطيع ان نساير دراستنا, و نلتحق بالدروس التي مرت علينا.بل حتى نفرض وجودنا داخل الجامعة,رغم الضياع الذي لا يفارقنا و لا يتركنا نعيش و نحس و نتذوق طعم الحياة.
خالد:انت ياصديقي تريد ان تعيش,و ان تتذوق معنى الحياة.لكن ما معنى الحياة وما معنى ان تعيش..؟؟؟ 
احمد:لايمكنني ان اجيبك عن هذا السؤال.لان الحديث عن معنى الحياة سوف يجعلنا نسقط في بحر عميق,لان مفهوم الحياة مفهوم فلسفي.الامر الذي لا يعني هنا ان نطرح السؤال و ان نجيب بنعم. او. لا.وانما سؤال فضفاض يتطلب الاخذ و الرد,و النقاش الواسع.فهل تظن اننا مستعدون لهذا النقاش فلنؤجله الى وقت اخر.فلان يجب علينا ان نبحث عن ما سنأكل,لانني لم اتناول ولو لقمة واحدة منذ الصباح الباكر ,و لم اصلي بعد…
خالد:لا تذكرني يا صديقي بالصلاة,فإنها اصبحت عندنا كالحذاء الذي في ارجلنا.لا نزيله الا عندما نتفرغ للنوم.هكذا اصبحنا نقيم صلاتنا,هذا ان لم نكن متعبين…اما عندما نكون متعبين بالمشي,فنتركها كما تركنا اهالينا في القرية المنكوبة,و ظننا ان في المدينة النور.لكن ما اجمل ظلام القرية,على الاقل ظلام هادئ  صامت ما تسمع فيه الا نباح الكلاب.لكن ظلام المدينة أشد ظلما, يغمره الرعب و الخوف و الدم و السرقة,و زجاجات الخمر تتطاير في السماء متبادلات التحيات بين شربيها من اللصوص , و قاطع الطرق,و مدمنين عليها ,و اخرون يرون رجولتهم تكمن في شربها..
احمد: آه…آه. يا  صديقي, هكذا ارادنا الواقع ان نكون بين احضان هذه المدينة التي سلبت منا هويتنا و تركتنا…تركتنا نبحث و نلهو و نضيع في شوارعها الطويلة و دروبها الضيقة التي تغمرها رائحة الشواء و رائحة العشوب في شارع العشابين. إنها الرائحة التي تعودنا عليها كل يوم, و تكثر في المناسبات الدينية.
خالد: ما اجمل يا صديقي ان تعيش مفقود في مدينة كبيرة بأزقتها الكثيرة و اسوارها العالية التي تعود الى عهد الاستعمار الفرنسي. 
احمد: لكن كيف تعيش و انت تائه تبحث عن الاستقرار المفقود…تبحث عنه.. فيأتي …لكن سرعان ما يرحل , ولم يعد موجودا. إنه الاستقرار بشتى انواعه: استقرار مكاني ,استقرار مادي ,استقرار نفسي…
خالد: أما انا و أنت يا صديقي فما زلنا نبحث عنه بشتى أنواعه. تبا له و لمن يعيشونه في هذا الوجود المنتهي…
أحمد:  اتركني  يا صديقي من هذا. و قل لي ما هي أخر الاخبار في العالم..؟؟؟
خالد: هذه الايام ما تسمع الا الكوابيس, معطلون يضرمون النار في  أجسادهم , و أخرون يموتون جوعا داخل  زنازن  النظام  القمعي إضرابا على الطعام من أجل  الحرية. ناهيك عن ما يقع من إنتفاضات  داخل قرى و مدن مغربية و عربية. و أخبار أخرى  تتعلق بصعود السلفيين إلى الحكم في الوطن العربي و التحديات التي تواجههم و الرهانات التي يطمحون لتحقيقها.               

 أحمد: كل هذا يقع يا صديقي و أنا في غفلة من النوم, أتسارع  مع الواقع كي أجد مسكنا نقيم فيه, و ما عثرت عليه الا بشق النفوس. و لا يستحق ان تسميه بيت ,بل كأنه زنزانة في سجن تزممارت  .  و لكن في نظرك هل ستقود هذه الانتفاضات   داخل الشارع المغربي إلى تحرير العقل من ترسبات الاستعمار…                              
خالد: ما أجمل يا صديقي أن نناقش المواضيع السياسية فالواحدة تدفعك للبحث في الاخرى و لكن لا يمكنني أن أجيبك عن هذا .فلنترك الزمن يحدد.. و يجيب.. و يحكم.
أحمد: عفوا يا صديقي يجب الان ان نعود إلى الدراسة التي أصبحت تجاهلناها و أصبحت عندنا في سلة المهملات. بعدما جئنا إلى هذه المدينة العمياء التي أرغمتنا على الموت في ثناياها.
خالد: بالفعل يا صديقي يجب أن نركز الان على الدراسة ,حتى لا نضيع سنوات أخرى من حياتنا .يكفينا ما ضيعناه في الطفولة لا داعي لذلك. أما الاستقرار فلن تجده ما دمت في هذه الحياة ,لانك تخضع دائما للصيرورة فاستقرارك مرهون بالموت. إنه الخلاص من الوجود …
          

تعليقات