الرئيسية - إبداع - نافذة العمر (قصة قصيرة)

نافذة العمر (قصة قصيرة)

 
 
كعادتها كل يوم، تقف طويلاً أمام نافذتها لتراقب في صمت مدخل بيتها الذي هجره أبناؤها منذ زمن، تنتظر وتنتظر إلى أن ينال التعب منها، ويتسرب اليأس القاتل إلى نفسها، فتجلس بعدما صارت الوحدة رفيقتها، لتبكي بشموخ، قبل أن تكفكف أدمعها وتطمئن نفسها بتلك الكذبة التي صدقتها من فرط تكرارها لها والتي تقول إن فلذات كبدها سيعودون بلا شك..
تمسك هاتفها لتتفقده، لم تعد تتذكر بالضبط متى كانت آخر مرة سمعت فيها أصواتهم، تكاد أن تركب أرقامهم ولكنها تقاوم رغبتها، تعيد هاتفها المصاب بالخرس إلى مكانه وتعلل عدم اتصالهم بها بكون كل واحد منهم لديه عائلته وعمله وانشغالاته، فجأة، يتهيأ لها أنها تسمع خطوات أحدهم، فتسرع لفتح الباب لتكتشف أن لا أحد يطرق بابها سوى الرياح الماكرة..
تشغل تلفازها، فتصدمها التطورات التي تعصف بالعالم، لم تعد تستوعب ماذا يجري في هذا الزمن العجيب، تغلق الجهاز وتعود إلى نافذتها أو برج مراقبتها، تلك الكوة الوحيدة التي لا زالت تربطها بالدنيا، تلاحظ أن الحي قد تغير بدوره، وأن الجيران الجدد مختلفون كليا عن جيرانها القدامى، ” إنه عصر الأنانية، لا أحد يستفسر عن أحوال أحد “، تردد في نفسها، تلمح طفلة صغيرة تطل من نافذة المنزل المقابل لمنزلها، تبتسم بعدما تتذكر أحفادها الصغار وتلوح للطفلة، لكنها تتفاجأ عندما تسدل الطفلة الستارة وتختفي وراءها، تفكر في أنها مجرد عجوز فضولية ومتلصصة في نظر الجيران، وتعود لتُسامر الوحدة..
تتذكر قول والدتها لها: “على الإنسان أن يتزوج وينجب كي لا يموت وحيدا”، هاهي ذي الآن وحيدة، رغم أنها فعلت كل ما في وسعها كي لا تلقى هذا المصير، لقد ربت أبناءها وأعالتهم، حتى إنها رفضت الزواج مجددا بعد رحيل والدهم وضحت من أجلهم بالكثير كي يظلوا إلى جانبها حين تذبل أوراق شبابها مؤذنة بحلول الخريف، إلا أن أولادها الذين جعلت حياتها وأحلامها تتوقف من أجلهم انفضوا من حولها تاركين إياها متسمرة في مكانها، تراقب عبر نافذة عمرها أيامها المنفلتة منها، وتسأل نفسها: “ترى ماذا لو خيمت علي ظلال الموت، هل سينتبه الناس إلى غيابي، أم أن عظامي المتكومة ستصل إلى مرحلة التحلل قبل أن يفتقدني أحدهم؟”، يتبادر إلى ذهنها احتمال أن أبناءها ينتظرون موتها ليتمكنوا من بيع منزلها الذي رفضت التخلي عنه، منزلها الذي قضت فيه عمرا بأكمله، والذي أثبت لها أن جدرانه مخلصة أكثر من أبنائها..
تعبت من ممارسة لعبة الاحتمالات، وتعبت من غارات الذكريات، لذا دخلت إلى غرفتها، ألقت نظرة أخيرة على سرير وحدتها، ثم أخذت حقيبتها، وضعت فيها بعناية حاجياتها وأشياءها الضرورية، وقبل أن تغادر لتمضي ما تبقى لها من عمر خارج زنزانة الجحود، فكرت في أن الغرباء قد يكونون أحيانا أوفى من الأبناء.