صدق النبوءة

كل يوم خميس كنا نصادفه، كنا نتغامز فيما بيننا، كنت أسميه الشيوعي الوحيد الباقي على وجه الأرض، وكان فعلا يجسد ذلك في مظهره وتفكيره، عادة ما كان يرتدي ثيابا قديمة وغير متناسقة، يشد سرواله الممزق المتسخ من التعب على الجانب الأعلى من سرته بحزام جلدي قديم،  تتدلى على جانبه الأيسر حقيبة قديمة أجزم أنها تعود لفترة ما قبل التسعينيات مطبوع عليها صورة الزعيم الثوري العالمي تشي كيفارة تبدو باهتة من كثرة الاستعمال وعوامل الطبيعة، جواربة دائما تغطي جزء من سرواله الممزق، ودائما هي في ألوان مختلفة، شعره مجعد أبيض، ودقنه تغطيه لحية متناثرة الزغب لم تمسه ماكينة الحلاقة، أسنانه متساقطة ورقيقة كأسنان المشط. كان شكله غريبا جدا في بلاد الحضارة والموضة، لكنه لا أظنه كان يهتم،  يظهر كأنه خارج من عصر غير عصره الذي يعيشه، يمثل فرنسا أخرى غير التي نعرف.  غالبا ما كنت أناديه كل يوم خميس بـــ”تشي كيفارة”، يبتسم ويمضي، ونكمل التغامز بيننا…

مرة جاء يمدني بأوراق انتخابية لحزب شيوعي، كان يقوم بدعاية لانتخابات جهوية، قلت له مازحا بأني سأصوت للجبة الوطنية، فكان رده أن هذا أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه في حياتك.. قلت له بأن السياسين كلهم يمتهنون الكذب ويتقنه، فقال: ليس لنا بديلا سوى أن ندعم الأسب، وإلا ستغلب علينا الضباع خدام الامبريالية والرسمالية المتوحشة.

أكمل طريقه وأكملت عملي…

ذات خميس سألته عما يجري بالبلد؟ لماذا اختار الفرنسيين الرئيس الحالي من بين المرشحين الآخرين؟ وكان مرشح صاحبنا (ميلانشو) الأقرب والأنسب للمرحلة. اقترب مني وهمس لي: إن استمرت الأمور على هذا المنوال فإننا مقبلين على ثورة كثورة ماي 1968. ثورة الطلبة والعمال ضد سياسة البلاد أنداك. سألته بمكر إن كان يتذكر هذه الثورة؟ قال لي أنه كان مع مجموعة من الشباب الذي أقفلوا الطريق في وجه المارة، وهم الذين أوقفوا العمل في معمل كبير  وتزعم مع رفاقه مسيرة تندد بالأوضاع وبالرأسمالية المتوحشة.

تيقنت حينها أن صاحبنا حقا هو الشيوعي الوحيد الذي بقي على أرض فرنسا، وإنه حقا يجسد هذا الشيوعي في فكره ومظهره، لم أعطي كلامه أكثر مما يعني، لكن السيد كان يعرف جيدا المرحلة وما فرنسا مقبلة عليه، فلم يمر على حديثنا الصباحي هذا سوى نصف عام حتى خرجت حركة مجهولة الأهداف والمنشأ تهدد سلم وأمن البلاد تطالب بالعدالة الإجتماعية وتندد بالرأسمالية المتوحشة والليبرالية، فقطعت الطرق وحطمت قلب فرنسا النابض وأجبرت السلطة على الاعتراف بهذه الحركة والرضوخ لمطالبها الهادفة. عرفت أن صاحبا لا ينطق عن الهوى، وإنما هناك ثقافة أخرى مترسخة في عقول أخرى من الفرنسيين، عقول استثمرت في أفكارها وآمنت بهاـ غير العقول التي استثمرت فيها فرنسا حين ضربت المدرسة وجعلت من المكننة والتكوين المهني عنوانها الكبير ، وجعل الإنسان الفرنسي مجرد آلة لا يعرف إلا  أن يعمل من أجل أن تعلو الطبقة المستفيدة من الضياع الذي أنتجته سنوات فرنسا العجاف.