الرئيسية - إبداع - دمعة سوداء على خد الحب (قصة قصيرة)

دمعة سوداء على خد الحب (قصة قصيرة)

 

محمد يحي

استيقض بعد الرابعة زوالا كعاته؛ فرك عينيه في تثاقل تام ثم خطى نحو ركن في الغرفة الرثة الذي اتخذه كمطبخ؛ تناول وجبته وانتفض واقفا يعدل من هيئته ويغير ملابسه التي لم يعد يقوى على ارتدائها بسبب رائحة العرق؛ اخذ من تحت السرير الخشبي المتهالك قارورة عطر انثوي فاخر وأفرغ نصفها على لباسه الرياضي الاسود من حذاءه الى عنقه؛ نظر الى المرآة يسوي فيها خصلات شعره المنتشرة بعشوائية فوق رأسه؛ متأملا كما دأب تلك الوحمة السوداء الشبيهة بنصف قلب ينام تحت عينه اليسرى؛ او كدمعة سواء جفت في طريقها نحو الارض؛ تميزه بوضوح خاصة حين يحلق وجهه بعناية، انتشله من تأمله ايقاعات أغنية ديسباسيتو؛ رنة هاتفه الذي ارتسم على واجهته اسم ” عشيري كريم”؛ علم من اتصاله ذاك أن الساعة الخامسة قد دقت وحان وقت العمل.
لم تغير سنوات السجن العشرين من وسامتك وقسوة احاسيسك شيئا، هكذا نبست الغالية وهي تنقل عينيها بين تقاسيم وجه حبيبها؛ الذي اجاب بابتسامة اظهرت جزءا من اسنانه البيضاء؛ وبين ارجاء الحديقة مكان لقاءاتهما الاولى؛ كأنها تقارن حالهما الان باحلامها الوردية التي نسجتها هنا بين احضان حبيبها وهي انذاك طالبة قروية لم تبلغ سن العشرين. انتبه مراد الى شرودها فشاركها تذكر اللحظات القديمة؛ مؤنبا إياها على واقعة الحمل التي وقعت؛ محملا اياها المسؤولية وأنها الواقعة المشؤومة التي كانت السبب في اخراجهما عن سكة الحب الذي تشهد جنبات الجامعة عليه بكل تفاصيله امجاده وحتى انكساراته؛ ونطق قائلا: 
-الحمد لله أنك وافقت على الاجهاض ولم تتبعي فكرة صديقتك التي الحت على الابقاء على تلك البذرة الشيطانية في جوفك.
نظرت اليه بوجه جميل لا تعابير فيه؛ لم يفقد بريقه كأنه لشابة في عقدها الثاني لا الرابع؛ ثم تنهدت وسبقتها الى كلامها الدموع:
– بل أنا أطعت صديقتي واحتفضت بالبذرة داخلي؛ موهتك فقط أني مقبلة على الاجهاض؛ لكني لم استطع ان اتخلص من جزء مني وأقتله اي ذنب اقترفه؟ رغم أني قتلته بطريقة اخرى…
حاول مقاطعتها لكن لم تمهله لذلك؛ بال زادت من نبرة صوتها وأردفت:
-كلكم متشابهون تتغنون بالحب وتشتهون الجسد فينا؛ وباسمه تفتحون قلوبنا وأجسادنا؛ ثم سرعان ما تكون المرأة هي المذنبة؛ لانها حملت أو لانها لم تدقق في حساباتها؛ ألست جزءا من وجعي؟بل انت الوجع كله؟ أين وعودك أين خطط مستقبلنا؟ أين الحب الذي تتقنع به؟ أم كان مجرد ترياق تداوي به سداجتي وتزين به خطواتك نحو شرفي؟
-أخرجها من تساؤلاتها ودموعها بصفعة على خدها؛ سرعان ما اختلطت على اثرها قطرات دم متسربة من فمها مع دموعها التي حملت بكحل عينيها؛ وحملت معها آخر امالها في استقرار وجمع شمل؛ مع عشقها الاول الذي نضج داخلها لازيد من عشرين سنة؛ لم ينحني داخلها وكأنه ديكتاتور سياسي يأبى الترجل عن كرسيه.
– أنا عشقتك يا مراد؛ أتعلم ما معنى الحب؟ إنه كريات جديدة تضاف الى تكويننا البيولوجي تجري في دمائنا كنور يشع بذكر الحبيب وقربه وعطفه وحنانه؛ نور يمحو خطاياك في داخلي ويجعلك السيد الوحيد في مملكتي رغم مهالكك واهمالك…
– هل كان صبيا ام فتاة؟ هل المولود يشبهني في شيء؟ هل درسته؟ هل سأل عني؟ هكذا قطع كلماتها؛ التي طالع معاني مشابهة لها في روايات وكتب كانت تقاسمه زنزانته.
– كان صبيا جميلا؛ كقبس من الشمس؛ وجه وضاء انساني وجع الحمل وألم الولادة وفراقك وفراق قريبي الذي كان ضحية علاقتنا؛ بجريمتك النكراء تلك.
-أين هو الان؟أيمكن أن اراه؟ 
– عادت دموعها تنساب مشاركة شفتاها في الكلام؛ قالت بكل اسى وهي تنظر لشاب يتوجه صوب باب الحديقة على بعد امتار منهما؛ سيكون ابني في مثل سن ذاك الشاب؛ لكني لم احضى برفقته الا ستة اشهر؛ فالعار الذي جلبه لي بين زميلاتي وعائلتي وحداتثة سني؛ دفعتني كلها الى الاستسلام وبعد تركه امام باب مركز لحماية الطفولة وسط المدينة – مرت كفها تمسح دموعها؛ وتواصل مسك جهتها اليسرى بكفها الاخرى مكان الصفعة- ثم أدخلت يدها في جيب حقيبتها اليدوية؛ وأخرجت منها صورة لملاك طفولي؛ نحن من جعلناه شيطانا هذه هبة الهية سنتقاسم وزرها غدا.
– التقط الصورة في لهفة ثم بدأ التمعن في تقاسيم وجه المولود؛ بسحنته الجنوبية؛ ثم استرعى اهتمامه شيء في الصورة فوضع يده وسطها….. 
– قطع حديثهما أزيز دراجة مسرعة نحوهما؛ فانتصب مرادا واقفا؛ فيما التقطت هي الصورة ودستها في جيب محفضة نقودها وألقت الكل في حقيبتها اليدوية؛ متأبطة اياها لان الوضع لا يبشر بخير. 
– من أنت وماذا تريد؟ قالها بغضب.
– اجابه الشاب:اهدأ يا صديقي؛ اريد ان ترشدني فقط لاقرب طريق لحي النهضة. 
هدأ روعهما، وبينما مراد يوجه يديه وانتباهه نحو مسار الطريق؛ كنعت يقدمه للسائل؛ استغل شاب اخر قادم من الخلف حوارهما وخطف الحقيبة اليدوية من تحت ابطها، استدارا معا للقيام بردة فعل؛ لكن بريق سكين طويلة يحمله؛ الجمتهما عن الكلام. لم يدم صمت مراد كثيرا فبعدما انتبه الى المصيدة؛ دفعته شهامته لتوجيه لكمة للسائل طرحته ارضا.

معلنا بداية لصراع يجهل تبعاته؛ لكمات متبادلة بين الشاب ومراد؛ فيما السارق الاخر يمسك بعاشقة مراد ويحاول منعها عن الصرخ؛ كي لا يفتضح امرهما؛ لم يفلح اللطف فلجأ الى القوة وضربها بسطح سكينه على كتفها وجذبها بقوة من شعرها الاسود المنسدل؛ تطور الصراع في الجهة الاخرى؛ فملامح الشاب اختلط فيها التراب ببقع دم ناتجة عن ضربة من قطعة اسمنت وجهها مراد الى وجهه؛ ما اجج الاحتدام فانحنى الشاب وأنفاسه تتعالى رافعا سرواله الرياضي أسفل رجله اليمنى؛ وأخرج من جوربه سكينا؛ سمح له وضعه بالاندفاع أكثر تجاه خصمه وغرزها في عنقه تاركا اياه مدججا في دماءه؛ اندهشت هي من هول المنظر وتوجهت نحو حامل السكين في صراخ وضرب في عجرفة لم يتحملها الشاب وهو في ذروة غضبه، فحسم الامر واسكتها على ذات الطريقة؛ ضربة حذاء اسفل الصدر وغرز سكينه في بطنها مكررا فعلته في هستيريا؛ انتزعه منها صديقه المذهول من هذا المنظر الذي لا عهد له به؛ استقلا الدراجة وسارا بأقصى سرعتها؛ مبتعدان عن أنين خافت وجسد اربعيني يرتعش أما مراد فقد استسلم لقدره.
غرفة مقلوبة رأسا على عقب؛ مرآة وأواني مكسورة؛ اشلاء هاتفان نقالان؛ حقيبة يد نسائية ذهبية اللون؛واوراق نقدية حرق نصفها؛ لفافات تبغ وزجاجات من الخمر الرديء… أسمال مختلطة متكومة في زاوية؛ وثلاثة سكاكين طويلة… وجثة شاب عشريني متدلية من السقف؛ يربطها به حبل ازرق متين؛ هذا ما حمله تقرير مفتش الشرطة؛ عن الغرفة التي اقتيد اليها كريم داخل منزل لم يكتمل بناءه في الحي المحمدي؛ عرف صاحبه بسجله الاجرامي؛ لا يشق له غبار في الحي وكان بمتابة لعنة نزلت بالعائلات الشعبية فيه؛ يعرف باسَم “سمير الديب” ….. .أخيرا حل لغز جريمة الحديقة في حي الداخلة؛ التي أخذت من الشرطة مدة يومين من البحث.
حينما اوصله كريم لغرفته في الحي؛ بعد أن تأكدا من تنصلهما من عيون الفضوليين وهما يغادران مكان الحادث؛ دخل غرفته وقد نسي ان يتخلص من الحقيبة النسائية؛ فنادرا ما يحتفظ بالحقائب المسروقة خاصة ان كانت خفيفة،ارتمى فوق السرير وبعد طقوس الشرب وأكل بقايا طعام ملفوفة في قطعة بلاستيكية، استسلم للنوم كأن شيئا لم يحدث؛ فهو ألف هكذا حوادث في حياته؛ لكن سؤالا واحدا تكرر في ذهنه غير ما مرة تلك الليلة؛ لماذا لم تغادر صورتا الضحيتين عينيه؟

استيقض باكرا اليوم كغير عادته؛ وقف امام المرآة يمسح آثارا بقع الدم المتناثرة على جبينه، خدش بسيط فقط، تصفح هاتفه 10 مكالمات لم يرد عليها… كلها لكريم …. ولج احدى الصحف الاكترونية الخاصة بأخبار المدينة؛ فطالعه طالعه خبر ؛ ‘سكان المدينة يستيقضون هذا الصباح على وقع جريمة شنعاء راح ضحيتها عشيقين قديمين؛ حسب مصادر مقربة’ تتآب وهمهم بشفتيه كأنه يتمم الخبر من عنده، والشرطة تعمل على قدم وساق لايقاف الجاني او الجناة…. استمال ثغره مبتسما ابتسامة لا يحتاج الى مرآة ليعلم أنها مصطنعة.
التقط الحقيبة وبدأ يتفحص أشياءها؛ هاتف ذكي كبير الحجم مزركش؛ للاسف لا يفتح الا بكلمة سر؛ قالها في خلده؛ فهذا يمنعه من تداول صور او مقاطع فيديو لصاحبتنا قالها بتهكم؛ استخرج بعد ذلك زجاجة عطر صغيرة؛ ومحفظة نقود؛ اسقط الزجاجة جانبه؛ فتح المحفظة واخد في عد الاوراق النقدية؛ لا بأس بها غنيمة جيدة؛ ابتسم بنشوة لا تخفى؛ … ‘الغالية المرزوقي؛ جماعة بوروس بنجرير؛’ ….هذا ما التقطه عيناه عندما مسح بهما البطاقة الوطنية التي توسطت المحفظة؛ نظر الى صورتها الجميلة وردد الغالية يا الغالية ….. انفلتث من بين الاوراق قطعة ورقية صلبة صغيرة ومربعة الحجم، سقطت مقلوبة فوق صدره، دون فيها بقلم اسود …’قطعة روحي وثمرة حبي إلياس حي السلام في ديسمبر 1997’…. ؛ مد اليها يده متفحصا وجهها الاخر فارتعشت اساريره؛ واجتاحته موجة احاسيس زلزلت كيانه؛ استدار يمنة واستدار يسرة لا شيء غير الظلام، خشع بصره من هول الصدمة وسرعان ما عاد لطبيعته وكأنه خرج لتوه من كهف،………دقق نظره في الصورة وهو يبحث عن ما ينفي فرضية التطابق بين رضيع الصورة والوجه الذي يتأمله كل مساء في مرآته… تمنى لو كان الامر حلما سرعان ما سيصحو منه، لكن لا اماني هنا، هي الوحمة ذاتها هو نصفة القلب ذاته وهي الدمعة السوداء عينها، أنت إلياس يا سمير؛ أنت ابن الغالية، أنت.. ابن . . أنت ثمرة حب …. دخل في هيستيريا من الضحك تلته نوبة دموع لم تبلل جفونه منذ الايام الاولى في مركز الحماية.
عدل الاستاذ أحمد من جلسته فوق الكرسي؛ وهو يقرأ أهم خبر اليوم في الجريدة، الشرطة تتوصل اخيرا الى مرتكب جريمة الحديقة وقاتل العشيقين؛ وأخبار مقربة من الضحية تؤكد أنها تنتمي لشبكة متخصصة في الدعارة داخل المدينة…. 
ارتشف الاستاذ أحمد من قهوته السوداء؛ وهو يتأمل منظر غروب الشمس يتوسطه عاشق يقدم لصديقته وردة؛ بعد أن دفع ثمنها بامتعاض لفتاة ترتدي اسمالا بالية و تجوب الكورنيش”