آخر لقاء

شيء ما في داخلها جعلها تشعر بأن هذه آخر مرة ستقابله فيها في ذلك البيت الحقير البعيد عن الأنظار. بعدما اكتفى من العبث بجسدها الغض، نهض دون أن ينظر إليها، لم يعد يتكلم معها، إنه ببساطة يعاملها كعبدة دورها الوحيد هو الخضوع لرغباته ونزواته، لطالما أرادت إنهاء هذه العلاقة المحرمة لكنها لم تقدر لأن مستقبلها المهني بين يديه ..
إنها تكرهه، بل وتتمنى له الموت كل لحظة، لكن ما باليد حيلة، عادت بذاكرتها عاما إلى الوراء، وتذكرت أنه مذ أجبرها على أن تصبح عشيقته لم يقل لها قط إنه يحبها، لقد كان في أوائل علاقتهما يبعث لها هذه الكلمة في رسائل قصيرة، ربما ليواسيها، وربما ليقنعها بأنها بالنسبة إليه أكثر من مجرد جارية رخيصة، لكن هذه الرسائل أضحت مع مرور الأيام جامدة، بلا روح.. وغدت مجرد ذكرى لا معنى لها مخزنة ببرود في ذاكرة الهاتف، وعندما كانت تسأله هل يحبها كلما سنحت لها الفرصة، كان يكتفي بالإيماء برأسه وفي أحسن الأحوال كان يجيبها باقتضاب، ثم يعود إلى الإفتتان بجسدها الصغير..
نهض بسرعة وقال لها ببرود: يجب أن أذهب لآخذ أولادي من أمام المدرسة، نظرت إلى ساعتها فاكتشفت أنها لم تتجاوز الرابعة مساء بعد، ضحكت في نفسها، ربما هو على موعد مع ضحية جديدة لسلطته، بل..تسلطه، قامت وهي تقاوم رغبتها القوية في شتمه، بل وقتله، كما قتل هو كل الأشياء الجميلة في حياتها، إنه أكثر”إنسان”تكرهه على وجه البسيطة، لكن رغم ذلك، هي مجبرة على أن تمثل دور العشيقة المحبة والعبدة الجنسية المخلصة والمطيعة لأوامر هذا الجلاد، الذي هو شيطان في صورة إنسان محترم، هذا الرجل الخريفي، المتزوج والأب لأبناء يناهزون سنها، والذي أجبرها تحت طائلة التهديد والوعيد على أن تقدم نفسها إليه كقربان بفضل استغلاله لمركزه، لنفوذه ولوظيفته المرموقة، هي مجبرة على مسايرته والخضوع له، بل وشكره إذا أحرزت تقدما مهنيا كونه رئيسها.
ودعته، سألها هل لديها نقود لتستقل سيارة أجرة، هزت رأسها ونزلت في السلم تجر ذيول خيبتها، لقد خسرت بسببه كل شيء: شرفها، كرامتها، وأحلامها، إنها ملعونة منذ اليوم الذي التقت فيه بهذا الشيطان المستغل لسلطاته، حالها حال الكثيرات اللاتي سبقنها، واللاتي سيلحقن بها، واللواتي لم ولن يقدرن على التكلم وفضح ممارساته اللاخلقية بسبب سطوته، جبروته و بطشه، ومن كان ليصدقهن، يتفهمهن ويتعاطف معهن؟
أكملت سيرها بخطوات متثاقلة وهي مطأطئة رأسها، فجأة قررت أنها لن تقابله بعد اليوم، و لن تضعف مجددا أمام قوته وتهديداته لها، تبا له، وللنجاح المرهون برضاه، سترحل من هذه المدينة وتختفي من حياته إلى الأبد، لعلها تنسى قليلا ما فعله بها، وتبدأ حياة جديدة…