الرئيسية - إبداع - فِي عُمر الثَّامنة عَشرَة (خاطرة)

فِي عُمر الثَّامنة عَشرَة (خاطرة)

شيماء لطيفي

وَبعد مُرور ثماني عشْرة سَنة، لازِلتُ يارُوح كما أنَا، لازال هُناك شيء من الأمل المُتأكِل في هذا القلب، ولا زالت هَذه النَّفس كما عَهدتها تُقاوم، لازال حديثُ قلبي يؤنسني، ولازلت أطالبه بالصَّمت واللامُبالاة ككل سنة ؛ أَتدرين يارُوح؟ هَذا القلب الذي يتربَّعُ يسار صدري عنيدٌ، عنيدٌ جدًا ؛ عنيدُ الحب، عنيدُ الأمل، عنيدُ الشغف، عَنيدُ الطُّموح ؛ هَذا القلبُ لا يقبل بغَير هذا العِناد !
لَكنني بدأت أشعر منذ سنوات قليلة، أنَّ لَعنة اللامُبالاة أصبحت تجتَاحه وكأنِّ هذا القلب ٱستَجاب لطلبي السَّنوي أخيرًا ؛ فلعنَةٌ ما تَعتريه ؛ تَشدُّ على عَضلاته، تُضغضها، تُجمِّد ما بها مِن حياةٍ، وتُحولها لجماد خاوٍ، جماد لايكترث، جماد لا يُبالي، جماد هَامد مِن كل تِلك الأشياء التي قَد تُوقد حرقة هذا القلب..
ثَماني عشرة سنة يارُوح، ولازِلت تِلك الطفلة الصغيرة ذات السِّتة سنوات التي تختلي بنفسها في غُرفة مُظلمةٍ دَاخل صَحن البيت ؛ الطفلة التي ما عرفت يوما شخصا أو شيئا أصدق من كُتبها، مْذكراتها، وأقلامها المُبعثرة ؛ الطفلة المُنعزلة، الانطوائية، أو رُبما المُعقدَة بحبِّ الهدوءِ والوحدة !
ثَماني عشرة سنة يارُوح ؛ كانت قاسيَةً جدًا ؛ قاسيةً بشكل جعل هذه الطفلة تنضج مُبكرًا، تنضج بشكل سَريع، وأسرع مما تخيلته طفولتها المُفعمة بِاللّين ؛ نُضجها الطفولي، وحُبها لهذا النضج الذي امتزج بصفاءها، براءتها، ونقاءها ؛ صنع منها إنسانة قويّة ؛ إنسانة تَعرف جيدا ماهو الألم؟ وكيف يُمكنك ممارسته وعيشَه بسلام لوحدك، دونما اقتحام أي كائن بشري سُلالة أحزانك، تَعرف جيدا كيف توظف الألم في صِناعة القوة والسَّعادة ؛ أوليسَ يارُوح من ألامِنا نمتص رحيقَ القوَّة وفِي طريق أحزاننا نُصادِفُ حدائِق السَّعادة؟
بَلى ؛ أعِي جيدًا أنك تَعلمين عِلم اليقين كل هاته الأشياء يارُوح، لكن لا بأس أن نُذكر أَنفسنا بهذا ؛ لا بأس أن نعترف لأنفسنا أننا ضعفاء في أحيان وأقوياء في أحيان أخرى ؛ لا بأس أن نُحدثنا وَنُدردش سويًا وإيَّانا لنعرفنا أكثر..
ثماني عشرة سنة ؛ كانت كفيلة بتكوين إنسانة بعقل أربعينية وقلب طِفلة ؛ طفلة أكثر حساسية، طفلة ليِّنة، طفلة بُكائية، طفلة صادقة، طفلة بريئة، طفلة ربيعيّة بقلب أخضر ؛ هِي ذَاتها الإنسانة الصلبة، العاقلة، الجِديَّة، النظامية، القويّة !
ثَماني عشرة سنة ؛ كانت كفيلة بِصقل ما يحتاجُ أن يُصقل، وحذف
ما يحتاجُ أن يحذف، وقتل ما يحتاج أن يقتل، ومَعرفة ما يحتاج أن يُعرف، والنظر إلى عيون المستقبل نظرةَ الواثق بالله، المتوكل عليه، الأمِل بعطاياه التي لا حدود لها..
إنَّ هذا العُمر وهذه السنوات ؛ كالدُولاب الذي يدور بشكل دائري نحو الأمام ؛ كلمَّا دار ازدادت سُرعته، وهكذا هي الحياة وأعمارنا، فهذا العُمر، وهذا العَيش الذي ننعَمُ بِه، يُعلِّمنا، يفقهنا الحياة، ويحتم علينا أن نكون أشخاصا أخرين كل سنة، وإن كانت الرُوح واحدة، والنفسُ واحدة، والقلب واحدٌ، فالسِّنوات ليست واحدَةٌ !
اللهُمَّ إني أسألك عُمرًا مُباركًا في طاعتك لي ولأهلي، ولِمن أحب وأحبّتي يا الله !