الغزو الثقافي

   المجتمع الذي أعيش فيه كباقي المجتمعات المجاورة التي تتميز بطابعها القروي و بصغر حجمها. مجتمع يحتوي على سمات و قيم ثقافية معينة، كانت نتيجة علاقات و تفاعلات اجتماعية منذ القدم. عبر مسار تاريخي طويل، تبلورت ثقافة الانسان و هويته و شخصيته في هذا المكان. الا أن اصطدام القيم العريقة بالتحولات العميقة التي أفرزتها العولمة اليوم و خصوصا في شقها الثقافي، أثرت سلبا على الفاعل الاجتماعي الذي أصبح ينظر الى واقعه و مجتمعه نظرة ازدراء و احتقار، ترتب عن ذلك فقدان الهوية و الشخصية الثقافية، و بالتالي حلول الاضطراب و القلق محل الاستقرار و السكينة.

   نستخلص من معظم دراسات المهتمين بالحقل السوسيولوجي أن ثقافة المجتمعات الصغيرة تميل نحو الزوال، ما لم تتوفر هذه الأخيرة على القوة و الارادة اللازمة لمواجهة غول العولمة الثقافية. بعض الدارسين يعتبرون العولمة وسيلة لأمركة العالم و تنميط المنتوج الثقافي العالمي على شاكلة النموذج الأمريكي. و نعلم أن أمريكا لا تريد عولمة العلم و المعرفة، بل همها هو عولمة انتاجها الثقافي. يقول بيتر هانسن بأن العولمة فخ كبير يزيد الفقراء… كما أنها تقضي على الحضارات الأصلية و على الاختلاف و التنوع الثقافي. لكن لا مستقبل للعالم بدون تنوع و اختلاف.

   و انطلاقا مما سبق، فمجتمعاتنا الضيقة و التي تسللت اليها العولمة و خصوصا الثقافية عن غير رضاها، أضحت محط  مقارنة و تساؤل، الشيء الذي خلخل الهوية الثقافية و أيضا الشخصية الثقافية. هذه الثقافة الساحرة الآتية من وراء البحار عبر وسائل الاعلام و الاتصال التي أصبحت تختزل المسافات و الوقت و الجهد، لاشك أنها زعزعت الفرد الذي أصبح بشخصيات متنافرة، تجعله ينظر الى واقعه نظرة احتقار وازدراء، و يعتبر كل السمات الثقافية المحلية من عادات و طقوس و تقاليد… مجرد أساطير لا أهمية لها في المجتمع. و المنظومة الدينية أيضا لم تسلم بدورها من هذا الغزو الثقافي الذي وضعها موضع الشك، بعدما كان المقدس هو السمة البارزة و الموجه الأساسي لسلوك الأفرد و الجماعة و أداة التحام و تضامن بين مختلف مكونات المجتمع.

   لقد تسللت العولمة الثقافية الى مجتمعاتنا المغلقة و بعثرت كل أشكال الحياة البسيطة من عادات و تقاليد و قيم و مراسيم و طقوس كثيرة انقرضت بموت الاجداد. لقد انتهى زمن الحكي و التواصل الشفوي و الجلسات العائلية الدافئة… و حل محله زمن عقيم استقبلناه رغما عنا نظرا لتأثير قنوات الاتصال ( التلفاز و الحاسوب و الهاتف… ) في حياتنا. فاختفت قيم التعاون و التضامن و صلة الرحم و القناعة… و بالتالي بروز النزعة الفردانية. هكدا بدأ يتلاشى المجتمع القروي المغلق الذي تميز بخصوصية في التنظيم الاجتماعي والثقافي منذ ظهوره.

   تغلغل الغزو الثقافي في مجتمعاتنا المحلية لا يعني أن ثقافتنا و حضارتنا أقل شأنا من الثقافة المهيمنة، لأن لكل جماعة بشرية خاصة لها خصوصياتها الثقافية تميزها عن غيرها. و الثقافة عموما وحيدة و نوعية و هي من ينتج المجتمع و ليس العكس حسب فرانز بواس. احتقار الثقافات المحلية البسيطة و محاولة السيطرة عليها جعل الأثنولوجيون يتوصلون الى وعي عام بمفهوم نسبية الثقافات أي لا معنى لثقافة الا ضمن سياقها التاريخي الخاص.

   و بموازاة تأثير الثقافة الدخيلة علينا، برزت سلوكات هجينة و خطابات جديدة وضعت الفاعل الاجتماعي المحلي في خانة الغربة بعيدا عن الاحساس بالهوية و الانتماء للوطن.