الرئيسية - الواجهة - ثلاثة أسئلة مع القاص سفيان البراق

ثلاثة أسئلة مع القاص سفيان البراق

 

        لا أؤمنُ بكاتبٍ لا يحمل على عاتقه قضية، الأدبُ

     كان ولا يزالُ عبارة عن قضايا، كلُّ كاتب يحــــمل

     قضية، سواءٌ كانت قضيةً إنسانية، سياسيـــــة، أو

     اجتماعية

 

 

 

1: سفياان البراق القاص الشاب، صدر لك مؤخرا مجموعة قصصية بعنوان “خلف جدار الذاكرة” كيف تقدمها للقارئ؟ وما حضور الذاكرة “الذاتية” فيها؟

 

خلف جدار الذاكرة، هي مجموعة قصصية، تمحورت حول ذاكرة الكاتب، الذي حاول جمع حطامها المتلاشي، فلطالما ظلَّت ذاكرته كسهمٍ مدبّب يصول ويجول في أعماقه. صاحب خلف جدار الذاكرة، عاش، ومرَّ بتجارب مريرة، لولا هذه التجارب والظروف التي عاشها، لما كتَبَ هذا العمل. استحضرتُ فيها مآسي تُدمي القلب، وحاولت أن أكتُبَ عن الأشياء المطمورة أو الطابوهات، كالزواج، باعتباره عرف مُقدّس عند العرب عامة، والمغاربة بالخصوص.

التيمة التي طغت على العمل، دون درايةٍ مني، هي أفق الأمل في آخر كلِّ قصة، هناك قصة أو قصتين استثنائيتين. قدَّمتها للقارئ كتجربة ذاتية، في ظلِّ وجود بعض الاستثناءات المستوحاة من الخيال، هذا الخيال انبثق من الواقع بالدرجة الأولى.

 تضمُّ خلف جدار الذاكرة إحدى عشرة قصة، تنقلتُ فيها بين المغرب، مصر، صربيا. الكاتب وإن استفتح هذه السردية، شبه متراصة، بعتباتها الموحية والمستفزّة، بالاعتماد على أقوال خالدة جرت على ألسن بعض رموز الأدب، كالأثر الذي ساقه عن عبد الرحمٰن منيف: “الذاكرةُ لعنة الإنسان ولعبتهُ الخطرة، إذْ بمقدارِ ما تتيحُ له سفراً نحو الحرية، فإنّها تصبحُ سجنه، وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام”.   وجدتُ في قوله منيف، هذه، تلخيصاً شاملاً لما كتبته، فهو استطاع التعبير عن الذاكرة كإشكالية عويصة تتربَّصُ بالإنسان، من خلال عبارةٍ واحدة، منيف ليس روائياً مخضرما فقط، فهو أيضاً قاص محنّك، انفتحتُ على تجاربه القصصية، فوجدتهُ يكتبُ القصة، كجنسٍ يدلُّ على الوحشة والغربة.

2: في قصة “أحلام مراهق” أخذتنا إلى مدن وفضاءات مصرية، أكان لزاما أن تسافر بنا حتى مصر لتكتب عن فضاءات وثقافات ليست هي ثقافتنا؟ أليس الأجدر أن تغوص بالقارئ في واقعه ومحيطه، مع العلم أن الطبعة مغربية خالصة ولا يمكن أن ندرجها فيما يسمى بالتسول الثقافي؟ وماذا عن هذا الأخير (التسول الثقافي) في الكتابة الشبابية؟

 أحلامُ مراهق، هي قصّة تُبكي العين، لما عاناه ذلك الشاب المصري من تشرذم حياته، كان يُخيّم عليه الوجوم والانكسار، يشتغل طوالَ النهار نظير أجر بخس، جنيهات معدودات. هذه القصة جرت أحداثها في التسعينات من القرن الماضي  رغم كلِّ ما عاشهُ النّادل مصطفى، في الأخير احتضنتهُ الحياة بدفء، حيث وجد حقيبة كبيرة، بداخلها ملايين الدولارات، فسافر بعد أيام إلى بروكسل. استقر هناك، ومات وحيداً.

 أحلام هذا الشاب، هي أحلام كل شابٍّ عربي في تلك الفترة – وحتى الآن – أنا اخترتُ مدينة الجيزة وكتبتُ تلك الأحداث، فكان بإمكاني الكتابة عن شابٍّ ينحدر من إحدى المدن المغربية، وهنا لا يوجدُ أي فرق، في نظري طبعاً.

أحلامُ الأقطار العربية واحدة، يحلمون بمغادرةِ أوطانهم وبناء مستقبلهم، والاطمئنان على حياتهم، صاروا لا يحبُّون أوطانهم، مؤسفٌ هذا حقاً. وقورابُ الموت مؤخرا التهمت خيرة من الشباب، كان بإمكانهم بناء مستقبلٍ واعد، لكن لم يحدث ذلك، قصة الشاب العربي، في أي دولة عربية، هي قصةٌ تُدمي القلب.

سألتني عن (التسول الثقافي)؟ هذا التسوّل لم يسبق لي أن سمعتُ عنه في الحقيقة، لم أكتب عن أحياء وفضاءات مصر فقط، بل كتبت أيضا عن صربيا وما عاشته عاصمتها بلغراد، أنا لا أتسوّل. أقوم ببناء القصة، بكافة شروطها ومكوناتها، ولا أكترث لهذه المسألة بتاتاً. لكن، أرى عدة روائيون وروائيّات، يتفننون، ويتقنون الكتابة عن مشاكلِ دولٍ أخرى، كالحروب الطائفية والسياسيّة، والأزمات التي عاشتها الدول الأخرى. هذه تبقى فكرتهم، لا يمكن لأي شخص التدخل في هذه المسألة. فإذا كان الكاتب قد بذل جهداً كبيراً في البحث والنبش عن تاريخ حربٍ ما، وأخرج العمل في قالبٍ روائيٍّ بديع، فلا مشكلة.

 3: في حوار سابق ذكرت أن ليس لسفيان البراق قضية يكتب عنها، ونحن نعلم أن لكل مبدع قضية، فهل وجد الكاتب قضيته؟

 لا أؤمنُ بكاتبٍ لا يحمل على عاتقه قضية، الأدبُ كان ولا يزالُ عبارة عن قضايا، كلُّ كاتب يحمل قضية، سواءٌ كانت قضيةً إنسانية، سياسية، أو اجتماعية، أو أنَّه يحبُّ الكتابة في المحظور ويعري الطابوهات. كلُّ كاتبٍ يرى الكتابة من منظوره الخاص، لكن، يجبُ على الكاتب أن يقومَ بدوره التنويري، فلا يمكن أن يصلح أمرنا إلا بصلاحِ أُدبائنا.

  في العمل الثاني، الذي هو موضوع حوارنا، صرَّحت بقضيتي التي حملتها، هي قضية إنسانية بالدرجة الأولى. بيد أنَّ الإنسانية في المجتمعات العربية برمتها، تاهت في سراديب النِّهايات، وأصبحت مجرد لفظةٍ نُردِّدُها على ألسنتنا دون وعيٍّ منا. هذه الإنسانية أرقى صفة قد يتّصفُ بها الإنسان، وهي أعظم القيم.

 

 

 

البورتريه من إنجار يوسف بخوثة