فرض علينا قسرا

في كتابه ذاكرة ملك يقول الحسن الثاني أن أوفقير فرض عليهم قسرا من القوى العظمى فرنسا، وأن في عودتهم من المنفى وجدوه في استقبالهم ورافقهم صوب القصر الملكي بالرباط… ومعنى هذا أن الرجل الحديدي جعلته القوة الكبرى أنداك ركيزة لابد منها تعول عليعها وتعوق بها المسار غير المسار الذي رسمته للمغرب الآتي..

رحل من رحل وطوينا الصفحة وما فيها، لكن التاريخ  أعاد كَرَّته بأشخاص وأسماء غير التي تحدث عنها الحسن الثاني. وبما أن فرنسا خرجت ظاهريا من اللعبة، فإن القوى الكبرى تم تغيرها باسم آخر ضارب في التاريخ وعقول المغاربة وهو “المخزن”. هذا الذي قال لفرنسا أنت ما عندك ما تعرف في تحرميات وفعايل الشيطان. فالمخزن له رجالاته في كل المجالات يعول عليهم في الفترة التي يريد في الجيش في الاقتصاد في الثقافة وحتى السياسة. والفترة الآن فترة رجل يُهيَّء ليكون رجل كل شيء في القادم من الزمن، رجل لا يمكن أن نقول عنه إلا أنه فرض علينا من طرف القوى الكبرى. وسندونه في التاريخ بالصيغة نفسها التىي كتب بها الحسن الثاني عن الرجل الحديدي أوفقير. رجل لا يمكن أن يجابهه أحد ولا يعري اهتماما لأحد.

هذا الرجل الآتي من سوس العالمة إلى حاضرة الممكلة الدار البيضاء ليصنع فيها مجدا شخصيا مكملا ما بدأه والده في أيام المغرب الخوالي.  إذ اعتلى في وقت وجيز المراكز واجتاز العقبات والعوائق وأحاط نفسه بهيبة مصطنعة. باع في التراب والحجر، وملك البر والبحر، واستعبد في طريقه كل البشر، حتى فاق جاهه كل التوقعات. وأصبح هالة كبيرة داخل الوطن. تتداوله الألسن وتهابه الكروش وتتسابق الهامات لتنحني له.

بنى ثروته من جيوب الناس وعرقهم، باع الوطن واشتراه شبرا شبرا، وتسلق سلم السلطة وصاحب رجالاتها، بين عشية وضحاها أصبح الرجل الثاني بالبلاد من حيث الثروة، مخترقا دهاليز القصور ويعرف خباياها.

على مر ثلاث حكومات متتالية وهو على رأس وزارة مهمة بالحكومة، وزيرا للفلاحة والصيد البحري، مدفوعا دفعا من رئيس الدولة، وحتى لم يشارك حزبه في الحكومة  (حكومة بنكيران الأولى)، شارك فيها ضدا في الديمقراطية، هذه المعتوهة التي صدقت أن المغرب بلدا للاستثناء حقا. وأيضا حين قرر شباط الفهامة والتسنطيح وخرج من الحكومة التي كان يتحالف حزب الاستقلال فيها مع العدالة والتنمية والحركة الشعبية وpps، كان البديل هو حزب الأحرار ليعود ويحتضن الوزير المستقل من الحزب إنداك ويضل في الحكومة يرعى مصالحه في الفلاَّحة والصيادين. بعد تعنطيرة بنكيران وهو يلوح بالانسحاب من تسير رباعة من الشلاهبية على رأس حكومة هجينة، فكانت نصيحة الملك حينها (شوف مع الاحرار). فرأى في الأحرار  رؤية لم نفهمها، في حين بدأ أعضاء الحزب والمتتبعين للشأن السياسي بالبلد ينظرون في وجوه بعظهم البعض مستغربين مما يحدث بالبلد السعيد.

كانت مصلحة الوطن تهم رئيس الحكومة ومن معه وكذا  بعض أعضاء الحزب الذين  استحلوا مذاق الحكومة الرائع. في حين كان الوزير  فوق العادة يصنع لنفسه طريق داخل هذه الحكومة ويوسعها ليدخل بآلياته طولا وعرضا حين تتيح الفرصة لذلك، مدعوما برجالا من الدولة يمهدون ويهددون ويطيحون من يقول (لا)، وضد هؤلاء الرافضين استعملوا كل شيء وفرضوا على المنبطحين من العدالة والتنمية الصمت، الصمت المطبق.

لم يمر على هذا إلا القليل حتى تحقق له ذلك، بعدما حصد حزب العدالة والتنمية مقاعدا مهمة في انتخابات أكتوبر 2016  لم تمنكنه  – كما العادة- من تشكيل الحكومة، بات رئيس الحكومة المعين يطوف البلاد طولها وعرضها بخثا عمن يشكل معه هذه الحكومة ويعترف بهذا المولود الهجين التي أنجبته الديمقراطية المغربية، حيث عمد الوزير فوق العادة  على وضع شروطه وعصاه في عجلة بنكيران حتى فقد أعصابه وقدرته وحنكته السياسية على التحكم في نفسه وعاد  للغته القديمة وأطلق عنان لسانه، فما كان من ملك البلاد إلا أن أعفاه من مهمته وأعلن إنه سيختار شخصا آخر من الحزب ليشكل هذا العجين في وقت لاحق.

فرصة رآها الحزب سانحة ولا يجب تضيعها، فنادى باجتماع طارئ لبرلمان الحزب لاتخاذ قرار المشاركة من عدمه في الحكومة المقبلة، وحددوا التاريخ للاجتماع الهام، الذي سيحفظ ماء وجه الحزب وهو يعلن عدم المشاركة في هذه المسرحية السيئة الإخراج، ليظهر بطلا متمكنا أمام مناصريه والمتعاطفين معه، لكن للمخزن رؤية أخرى، فسبق العرس بليلة وسرق العروس قبل أن تزف وقدمها لأخنوش يفتض بكارتها ومعها بكرة الشعب عن بُكرة أبيه.

تفطن الحزب للقالب الساخن وهو يخترق جسده كخازوق حاد رويدا رويدا، ودفن من بقي في وجهه قليل من ماء الكرامة، في حين انبطحت الأغلبية للقرار الحكيم للمخزن، ولم يبقى إلا أبواق الجيوش الالكترونية تسب العملية السياسية برمتها وأخنوش والحكومة اللعينة، وتمجد الزعيم. في حين تأتى للوزير فوق العادة ما أراد، فتح جبهات متعددة لجمع الثروة ومراكمتها، وكل قرار تخرج به الحكومة ما هو إلا منفذ آخر له ومن يدور في فلكه للاغتناء. 

سقطت عن الحزب آخر أوراقه وهو يزيد من تفقير الشعب، في الوقت هذا كان اسم الوزير فوق العادة يزداد لمعانا ويتلألء فوق عورة الحزب وهو جثة ممددة على صحراء الوطن. كل هذا وشبيبة الحزب لازالت تتغنى بالشرف كعاهرة في شارع المواخير.