الرئيسية - إبداع - كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثامنة)

كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثامنة)

الرسالة الثامنـة

  البكـاء 

عزيزي آدم.. أعلم أن دموعي تُتْعِبكَ، تستفزكَ في بعض الأحيان، وتُضعفكَ أحيانا أخرى، لكن لا يَدَ لي في هاته الحبات السخية التي تنهمر رغما عني في الكثير من الأحيان، نعم أنا أبكي بسبب وبدونه، أبكي في الأحزان وفي الأفراح حتى، الدموع هي التي أعبر بها عن ذاتي، أجدها تحتضن مقلتي كلما خانتني الكلمات وكلما افتقرت إلى القوة.

دموعي ليست دائما بدموع التماسيح يا ” آدم “، نعم لا أخفي عليكَ أني في بعض المناسبات استعملها سلاحا أنثويا محضا للضغط عليكَ، فماذا أفعل؟ لا تضعفكَ سوى دموعي، فمهما قلتُ ومهما أزبدتُ لا تُنصتُ لي ولا تُنصفني، وهذه الدموع أُحسها الحل المنطقي حينها لتوقفكَ عن الصراخ، الحل الأمثل لوقف نزيف المشادات الكلامية بيننا، والسلاح الفتاك لأخرج من حرب غضبكَ سالمة.

نعم أُحِسُّهَا مرات تُضعفكَ ومرات تُغضبكَ ومرات أخرى يؤنبكَ فيها ضميرك، تَحسَبُني ساذجة وضعيفة في الوقت الذي يلزمني الدفاع عن نفسي بالمناقشة لا أن أختفي وراء الدموع، فهكذا هو تفكيرك لكن هذه هي طبيعتي، لكن لا تنسى أن نصف دموعي هي من أجلكَ أنتَ، نعم، والنصف الآخر فقط هو لرقة مشاعري ولبراءة إحساسي.

لكن أتعلم يا ” آدم ” أنه من الناحية العلمية بكائي راجع إلى هرمون يدعى ” البرولاكتين ” وهو هرمون يفرزه الجسم كرد فعل للتوتر وللشعور بالحزن والاكتئاب، وعندما ترتفع نسبته في الجسم كثيرا ما يسبب البكاء لأتفه الأسباب.

فأنا لم آتي بشيء من عندي أو من فراغ، بل هو كلام العلماء، وقد قرأتُ يوما لأحدهم يقول : ” اذا أحسست برغبة في البكاء فلا تحبس دموعك، فإن كثيرا من الآلام  والأحزان والغضب تسيل مع هذه الدموع “، وهو نفس النهج الذي توصلت إليه احدى الدراسات لتحليل الدموع، فوجدوا أنها تحتوي على 25% من البروتين وجزء من المعادن خاصة المغنيسيوم وهي مواد سامة يتخلص منها الإنسان عند البكاء، إذن قل لي لماذا أحتفظ بكل هذه السموم إن كان هناك سبيل مجاني للتخلص منها مع الثواب والأجر الصحي ؟

فالبكاء يا ” آدم ” يزيد من عدد ضربات القلب، وهو بمثابة تمرين للحجاب الحاجز وعضلات الصدر والكتفين، والعجيب أنه عند الانتهاء من البكاء يقوم المخ بفرز مواد كيميائية للدموع مسكنة للألم وتعود سرعة ضربات القلب إلى معدلها الطبيعي وتسترخي العضلات مرة آخرى وتحدث حالة شعور بالراحة، ولهذا عندما نبكي نحس بالراحة وكأن هما ثقيلا جرفته تلك الدموع، وأنا لا أرى في ذلك حرجا أو عيبا بل أحمد الله على نعمه، فهكذا أنا وهكذا خُلِقت فما الضرر؟

الضرر بل كل الضرر ليس في دموعي بل في كبتكَ أنتَ لدموعكَ وكأنك ستحاسب عليها يوم البعث، والأكيد هو أنكَ ستحاسب فعلا على ما تُلحقه في نفسكَ وقلبكَ من أذى، فلا أدري لما لا تغتنم هذه الرخصة الربانية مثلي؟ لما تعتبر دموعكَ علامة ضعفك، تحسها تسلبك رجولتك وتفقدك قوتك؟

هذا ليس منطقي يا ” آدم ” فنحن سويا خُلقنا من ضعف، وتنتابنا لحظات حزن نُحس فيها بالضيق لولا فرج الدموع الدافئة، ففي أتفه المناسبات أنا أبكي، وفي أقوى لحظات حزنكَ وفقدكَ أنتَ لا تذرف الدموع ! بل وتلومني أنا على ضعفي؟!

انسى دموعي وبكائي وفكر في الكيفية التي تهزم فيها كبرياؤك، في الكيفية التي لا تتركني في هذه الحياة وحيدة، فقد قرأتُ يوما أنه بالبكاء المرأة أطول عمرا من الرجل، فابكي يا ” آدم ” عندما تُحس بالرغبة في ذلك، اغلق عليكَ عالمك وابكي خفية، رغم أن دموعكَ لن تنقص من قيمتك عندي شيئا، ابكي وكلما بكيتَ في حضني كان أفضل، سأبكي معكَ أنا أيضا فلا ضير، وستعلم حينها كم أن هذه الحبات الساخنة تفعل المعجزات في ذواتنا.

ابكي يا ” آدم ” متى أحسست بذلك فلا أريد أن أفوز عليك أنا بالعمر الطويل، فعمري بعدكَ ستطول أحزانه فقط.

اللوحة للفنانة حنان الحمدوي