موت القصيدة

جمعتناعوالم الشعر، وفرقتنا خناجر الغدر…
كنت رجلا مهووسا بالبحث عن ملهمة توحي لك بمشروع قصيدتك الضائعة التي كان الحيز المخصص لها في ديوانك العاطفي شاغرا، وكنت أنا امرأة تائهة في غابة الألم، لا تحمل معها سوى سلة أحلامها الوردية التي لولاها لما استطاعت إيجاد مخرج من متاهاتها، وكان طيفك آنذاك بالنسبة إليها، بمثابة نبراس ينير طريق الأمل…
اخترت أن أسير رفقتك في دروب تلك القصيدة، وأعبر طرقاتها الفسيحة بكل نهاياتها الممكنة، غرني بريق الحروف، وأدمنت رحيق الشعر، كانت الكلمات تزداد رونقا يوما بعد يوم، وكانت الأبيات تنظم تلقائيا، لكن الأشطر بهتت فجأة بحلول فصل الخريف، ثم تساقطت مع الأوراق الميتة والأقنعة الخداعة، وبسقوطها اكتشفت احتمال انطفاء شعلة الشعر، وبالتالي عدم خلوده. فالشعر لا يمجد الخائنين، لا يخلد الوجع، ولا يكرم الكذب، كما لا يتغنى بمن يضع قناعا ليخفي به وجهه الحقيقي، لذا يحكم على كل من يخالف قوانينه بالطرد من مملكته، فمن يعاني من جفاف أو هشاشة المشاعر، لا مكان له بين الشعراء.
وفي حضرة عذابك، ومع ارتفاع منسوب وجعي، عجزت عن النسيان، فاكتشفت أن أجل النسيان مفتوح.. تألمت كثيرا لأننا انتهينا من حيث بدأنا، ثم عرفت أننا في الواقع، لم نبدأ قط، فقد كان كل شيء عبارة عن مجرد مشروع وهمي وخطوط عريضة لمقدمة أفشل ديوان شعري في التاريخ. ببساطة لأن قصيدتنا كانت هي الحلم المستحيل، بقلم المستحيل وفي الزمن المستحيل، وكيف لها أن تكون غير ذلك؟ ونحن نعيش في عصر المستحيلات..
حاولت تسلق سور الأحلام المجهضة كي أعبر من وادي اليأس إلى ضفة الأمل لأبدأ من جديد، ورغبت في أن أواري جثمان القصيدة الثرى لأنها كانت ميتة منذ لحظة الولادة، ونفضت غبار الإهمال عن دفاتري الزهرية لعلي أتمكن من نظم قصيدة جديدة، لكن فوبيا المحاولة الثانية بعد الفشل حالت دون ذلك. حاولت وحاولت.. لكن قلمي بدوره فقد الثقة في قدراته، وقرر اعتزال الشعر والإكتفاء بالنثر، كي لا يعلق بعد اليوم أملا على قصيدة سيكون مصيرها مرتبطا ببقاء المشاعر على قيد الحب أو.. بانتحارها..
الحب لم يُخلق لنا، والشعر كذلك، لذا انفرط عقد قصتنا بسرعة بعدما توقف “أبولو” عن إلهامنا وأغرقت بحور الشعر كتاباتنا.. للشعر أصحابه، أولئك الذين يتقنون التعبد في محرابه، أما أنا، فلم أكن أتقن شيئا ماعدا فن الحزن، ولم يكن يليق بي سواه.
أحببت شاعرا، ورضيت بأن أسكن في بيت شعري، وأن أكتفي بنور الكلمات، وشهد الجمل، لكن البيت تقوض وجرفه طوفان الغدر، لأن “فورتونا” إلــٰهة الحظ سلبت مني حظي وذهبت معك وهي تضحك بمجون.
لم نودع الشعر، هو الذي ودعنا، وبرحيله لم نعد نتحكم في خيوط الحكاية، ولم تكتمل القصيدة، لنعلن موت جنين حبنا ، بموت القصيدة.