البيجيديين

أتمنى من المنتمين لحزب العدالة والتنمية اليوم أن يسامحوني، لأني سأتناول موضوع يتعلق بحزبهم و مسيريه و عمله بصفته الحاصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات السابقة. كما أتمنى أن لا يكِن لي البيجيديين الحقد ما دام هدفي من هذا المقال هو إبداء رأي قد يحتمل الصواب أو الخطأ. و لا أنكر بأن برنامج الحزب كان يغريني في وقت سابق، وتعجبني بعض شخصياته، لكن اليوم أعتبره مجرد حزب مهيكل ضمن رزمة من الأحزاب الأخرى ذات برامج نظرية لا تستطيع إخراج المغرب من الأزمة.

و كطبيعة بشرية استبشر معظم المغاربة خيرا بفوز حزب العدالة و طالتنمية ذو المرجعية الإسلامية لولاية ثانية في الانتخابات السابقة، وظنوا بأن هذا الحزب الذي ينادي بالتغيير و بناء غد أفضل مع ضمان عيش كريم للمواطنين، سوف يستفيد من بعض تجاربه في الولاية الأولى ويحقق رؤية المغرب الجديد والتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية و الاطاحة برؤوس الفساد…

كانت البداية عبارة عن تصريحات لزعماء الحزب الذين أوهموا الشعب المغربي بأنهم سيدفعون بقطار التنمية ٱلى الأمام من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر والهشاشة وغير ذلك من الأوهام. توالت الأيام دون أن تنزل مخططات الحزب إلى أرض الواقع و بقيت كل التصريحات معلقة بين الأرض والسماء في انتظار قدوم المهدي المنتظر لانزالها من برجها العالي.

كان أمل المغاربة كبيرا وانتظروا سنوات بشغف عمل الحكومة التي يقودها حزب ذو تيمة دينية، ٱلا أن ٱخوان بنكيران عجزوا عن تحقيق مطالب المغاربة واستسلموا لجبروت الدولة العميقة التي تسير المغرب وفقا لأجندتها، تماما كما استسلموا لشيطانهم اللعين. و هذا لا يعني أنهم لم يقدموا للبلد شيئا يذكر، بل العكس، يرى البيجيديين ( وليس البواجدة نظرا لما تحمله الكلمة من معاني الازدراء، وأنا هنا أعالج موضوعا لا أشمت) أن مجهودات الحزب لم تظهر أمام المشاكل الكبرى التي يعيش فيها المغاربة، ويزعمون أيضا أن هناك برغماتيون يقفون أمام عجلة التنمية.

في خضم هذا الفشل السياسي والتباكي على الأطلال ووصف المعارضين بأبخس النعوت والزلات اللسانية المتكررة للبعض والخرجات الغير المسؤولة لقياديي الحزب والتي زادت الطين بلة… الشيء الذي جعل الحزب يفقد مكانته تدريجيا في قلوب المغاربة المتعاطفين معه….

كان على البيجيديين أن يعترفوا بصعوبة تنزيل خطاباتهم إلى أرض الواقع، و إظهار لعموم المغاربة أن واقع المغرب ليس كالبلدان الغربية، حيث الحزب يسود و يحكم، وأن يفصحوا عن النوايا الخبيثة لبعضهم التي تسيء لسمعة الحزب، دون استعمال الحديث النبوي لأغرض شخصية والذي يقول: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. وبالتالي طرد كل من ينتهك حرمة الحزب، كما كان واجب عليهم أن يتركوا كراسيهم احتجاجا على الأيادي الخفية التي تدير شؤون المغرب، وأن يتركوا الساحة السياسية للعفاريت والتماسيح (حسب المعجم البنكيراني)… إن أرادوا حقا تنمية البلد لا تنمية رصيدهم البنكي.

لكن جاذبية الكراسي وحلاوة التعويضات المالية الدسمة حادت بهم عن الهدف، و أبانت عن النوايا الحقيقية لبعضهم والتي كانت تخفيها لحاهم وألسنتهم. العيب ليس في برنامج الحزب بل في بعض ممثليه، أقول البعض، و تبين ذلك بوضوح من خلال خرجة يتيم الذي أستبدل التي أفنت معه شبابها بفتاة أقرب إلى حفيدته، وخرجة ماء العينين التي أوضحت أن الحجاب ماهو الا استراتيجية لاكتساب ثقة المغاربة، وخرجة الزعيم الأكبر بنكيران و هو يتبجح بالمعاش… خرجات سافرة ضربت مصداقية و مرجعية الحزب في العمق وأبانت عن النوايا الحقيقية لبعض القادة الذين كانوا يفتتحون كلامهم بقول الله ورسوله.

أنا هنا لا أنتقد الحزب لكونه ينطلق من الهوية المغربية و المرجعية الٱسلامية، ولا أنتقد برنامجه الانتخابي لأنه قابل للتنزيل على أرض الواقع ينقصه إلا القدرة، كما أنني لا أنتقد بعض مسؤولي الحزب والتابعين ذوي النية الحسنة… بل أنتقد كل من اتخذ الدين وسيلة للارتقاء الاجتماعي، وأنتقد التصريحات الغير المسؤولة لبعض المنتمين للحزب الٱسلامي والأفعال غير المرغوبة و السلوكات التي لا تمت إلى الحزب بصلة، كنفاق ماء العينين، والجوع الجنسي ليتيم، والنعوت الرخيصة لبنكيران…

كل هذه الأمور جعلت المواطن المغربي يفقد الثقة في كل الأحزاب ويفر منها كما يفر الفأر من القط. الشعب وصل إلى مرحلة ميؤوس منها لدرجة أن السياسات المتعاقبة المنحرفة أنتجت فاعلا اجتماعيا غير سوي. مؤشرات عديدة تبرز أن معظم المواطنين سيفضلون المكوث في بيوتهم عوض الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة ما دامت هذه الصناديق لا تغني و لا تسمن من جوع.

انطلاقا مما سبق سيجد المقبلون على السياسة والسابحين في بحرها أنفسهم أمام ظاهرة جديدة وهي ظاهرة عزوف المواطن عن التصويت.

و ختاما سأضع بعض الأسئلة: ما دام أن حزب العدالة و التنمية يدمر من الداخل و الخارج، فهل زعماؤه و أتباعه واعون بحجم الخراب الذي يطال الحزب؟ الخرجات المسيئة للبعض هل هي مقصودة أو عن غير قصد؟ هل فعلا هناك أيادي خفية هدفها القضاء على حزب يهدد مصالحها؟ …