سجن الفقر…

محسين زويتن

 

 

 

 

أصبح الفقر عند المغاربة كسجن ذات الأبواب الحديدية بفضائه الداخلي الدامس، والفقراء هم نزلائه بامتياز لأن كل محروم من شروط العيش الطبيعية، وليس له الحق الكماليات بل حتى في الضروريات التي تحسسه وتشعره بإنسانيته. هذا السجن متجذر فيهم وفي ذاكرتهم. فهو عرضَ الملايين من الأشخاص إلى المذلة والمهانة بما يحمله من سواد، والذي كان في الغالب العائق الأكبر أمام فرص النجاح والتألق عند البعض وبالتالي الخروج من دائرة التخلف. وفي المقابل شجع الاستسلام والارتماء في أحضان ممارسات تقْتاتُ على الانحراف والتفكك والعنف والفساد المركب الذي يطال البُنَى الذهنية والنفسية ويقتل الأمل في تحقيق حياة نظيفة ومستقرة.
أن العيش فقيرا لم تتقرر الحالة هذه منذ الولادة أو قبل، لكن في المغرب وقُراه على الخصوص، يتقرر هذا في الفترة ذاتها لآن الإنسان عندما يخرج من رحم أمه يصطدم بالعالم والبراءة.. إذن أليس الدولة هي التي تتحمل المسؤولية في إنتاج وتسويق الفقر، لأنها إذا لم تتدخل بكل أجهزتها الاجتماعية والاقتصادية وتعمل على إعادة النظر في الجسم الاجتماعي، وتعمل على بلورة خطة محكمة وواضحة لمواجهة هذه الفوارق الاجتماعية الفاحشة ومنها القضاء على الطبقية ولو بشكل طفيف وألا تم تصنيفها متواطئة ضد التقدم والتنمية التي تنشدها في إطار (الحكامة المغشوشة)، وكذا ضد المواطنة والحياة الكريمة التي هي حق كل مواطن حر.
إن في بلدنا المغرب جيش كبير من الفقراء يُعد بالملايين وهذا راجع إلى التدني الواقع في معدل التنمية، وهو دليل على أن الفقر أصبح عندنا منتوج اجتماعي ربما له وكالات ومصانع وأسواق. إنه بخوْضنا في الموضوع والبحث عن حقيقة الفقر، لا يمكننا إلا الرجوع إلى الأوضاع التاريخية التي صادفها المغرب في مساره التنموي من الاستعمار إلى سوء التدبير المقرون بالفساد في جل الحكومات المتتالية على الإستوزار ليس إلا.. إن العالم القروي يحظى بالنصيب الأكبر من هذه الآفة والتي تحول دائما أمام التنمية به وبالتاي عدم ركوبه موجة التحضر والتقدم. ولو فكرنا في المستقبل بكل تجرد ومسؤولية في الصورة المستقبلية للمغرب لما أفسحنا المجال لأحزمة البؤس التي تجوب كل القرى المغربية والنتيجة هي هجرة قروية قصْريه. لأن كل من هاجر من القرية إلى المدينة هروبا من حزام البؤس والفقر لم يلمس أي شيء يلبي حاجاته وقناعاته ويلملم جراحه وتعاسته ومن تم حزم أمتعته إلى المدينة.. لم يلمسوا أي شيء يقنعهم بالبقاء في قراهم لأن الحرمان شامل وعام: لا ماء.. لا تعليم في المستوى، لا صحة.. لا بنى تحتية…لا..لا..
إذن نحن في امس الحاجة الى واقعية وطنية، كفيلة بإعادة البنى النفسية وتقليص مساحات اللآم الذي ينهش جزءً كبيرا من جسمنا المغربي، وكذا إلى إقلاع جماعي يكرس قيم التضامن الدائم، والتآزر المستمر.

–إن الجرح يهون عندما يضمد جماعيا–

 

تعليقات