متاهات

فريق التحرير

 

لقد تداعى الكون علي من كل حدب وصوب وجرفني تيار إلى عمق البحر وسفينتي تتمايل ذات اليمين وذات اليسار وليس لي مجداف أنقذ به سفينتي وحياتي غير التشبث  بالأمل وبان تحدث معجزة ،وبدأت استنجد نفسي بنفسي وتذكرت قول نبي الله موسى إني لا املك إلا نفسي أريد إن أقويها وادفع بها بعيدا عن تخوم الهلاك الذي بدا على مرمى حجر مني ،في هذه اللحظة ازدحمت الأحداث فوق جمجمتي وبينما ضربات  ضربات البحر تزداد انشدادا على باخرتي ارتخت أعصابي وتعطلت كل الأفكار التي توسوس لي بالتشبث بالحياة وقلت بابي أنت وأمي وياايها الذي يعرفني والذي لا يعرفني كيف لي من خلال بحر داهمني في عقر داري وانسلت إلي منه نفحات الماء تخاطبني،تخاطب عقلي الذي ضج وامتلأ وبدا يصرخ بأعلى أصوات الدنيا أنقذوني ،وتسللت الأفكار واحدة واحدة وخطوة خطوة وكانت المناجاة من الذات إلى الذات تقول:إني أداري الآن همي وكربي في البحر فماءه قد يبرئ ما لا قدرة لأحد على ذلك،وانأ اغرق الآن واني لفرح لذلك.

إن متاهة البحر بين الموج وأخيه أهون علي من هواء ضحل يضرب بساط الأرض كلما حل الصباح دون جديد،البحر بعمقه وانحلال مياهه من الماء إلى الماء لن يحتقرني لن يهينني ومهما كانت قوة بطشه بباخرتي وجبروته عليها فهو رحيم بها لأنه يعرفني ويقدر كل راكب لأمواجه مستأنس بها في دنيا الخلاف.

إن إحساسك بالحرية وأنت في عرض البحر لايعوضه عنك وجودك في يابسة طالها النسيان حتى  من غيث السماء ،اليابسة التي تداعت عليها الأمم بالسلاح من كل حدب وصوب وبدأت تقطع أوصالها إربا إربا ظلما وعدوانا حتى اسودت بعدما لم يعد الدم يتدفق إلى شريانها فهل ماتت الأرض حقا؟وزادت مناجاتي لنفسي وقلت ليس في البحر موت ولا ضياع ،ليس في البحر هلاك وفناء ،ليس في البحر خوف ورعب،ليس في البحر جبن وخذلان ،كل ما في البحر زرقة يسر بها الناس ويفرحون انه المكان الذي يستقيل فيه الإنسان من رتابة الحياة وضغوطها،انه المكان الذي يركن فيه الفكر إلى ذاته وينفلت من قبضة الأغلال والقيود ويبدأ في السيلان كما يسيل الماء من عين جارية،انه الوطن الثاني الذي تنكمش الأرض أمامه وتصبح صاغرة  في كثير من الأحيان إذا ما قرر زحفه إليها   ،يسعدني أن أقول إن في البحر جنون وفي جنونه تكمن أرقى درجات التعقل فهل هناك من بديل لنا بعد اليابسة غيره نبادل مخلوقاته وتبادلنا أماكنها بأماكننا؟