بيت الدولـــــــــــة

جواد الكبيبة

في بلادنا كثر الكلام عن الفساد والمفسدين، وازدادت المطالبة بإسقاطه، لكن هذا الفساد ينتشر بسرعة، وقد خيم على جميع القطاعات والمؤسسات حتى المقدسة منها، أقصد هنا المسجد التي أصبحت أكبر أداة لتمرير الأغاليط، والمواقف السياسية التضليلية التي تخدم مصالح سياسية، فقد تناست المسجد مهمتها التاريخية وخانت أمانتها الدينة التي من أجلها لقبت ب”بيت الله”، فالفقيه الآن أو إمام المسجد أصبح مجرد مجتر لخطابات ترسل إليه، ويجعل من هذه الخطابات قولا دينيا، من حيث أنه مغلوب على أمره وربما لا يعرف حتى ما يقدم إلى مستمعيه، أقصد ذلك الخطاب الذي يلقيه كل يوم جمعة أمام مجموعة من الناس لا يفهمون حتى كلامه، اللهم القلة القليلة، لكن هذا ليس سببه الإمام، فكل ما وصلت إليه المساجد الآن حتى أصبحت أكبر أداة إيديولوجية للدولة، هو ذلك التأويل التقليدي للدين، الذي تراكم بحكم استبدادهم بالنص الديني لدرجة أصبح كلامهم هو الحقيقة المطلقة التي ليس بعدها حقيقة، هذا الإنغلاق تجاوزته أروبا إبان العصر الحديث بفعل مساهمة فلاسفتها الذين خاضوا معارك طويلة من أجل إثبات العقل وحرية التدين والإعتقاد، لكن هذا في الضفة الأخرى أما في ضفتنا التي لا زالت تخضع لسيادة الخطاب الدوغمائي ولا زال قول الفقيه هو المحدد من حيث أننا لا زلنا نتأرجح بين الحلال والحرام، والفقيه بدوره هو مصدر هذا التمييز فهو من يحلل ويحرم، وهو من يحدد مشروعية التحديث والتطور، لهذا يظل قول المفكر عندنا في غياهب النسيان، أو بالأحرى فهو مفكر في نظر نخبة قليلة من الناس، لنأخذ على سبيل المثال الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور محمد أركون، عبد الله العروي هذا الثلاثي المشهور الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية التحديث، ومواصلة التراث العربي بركب الحداثة من أجل مستقبل العالم العربي والاسلامي، فهؤلاء نادرا ما تسمع عنهم، وإذا لم تدخل في معمعة الفكر العربي فلن تعرف حتى بوجودهم، بينما هناك بعض الفقهاء يأخذون المركزية في الوطن العربي نظرا للخطاب الذي يروجون له، وهذا يذكر بمركزية الغزالي وتهميش ابن رشد، هذا المفكر العقلاني الذي وجد مكانته في الغرب ولم يجدها في وطنه تلك هي محنة كل الفلاسفة والمفكرين، وهذا سببه قصور في الرؤيا لدى مظطهدي هؤلاء المفكرين، وهم الحكماء بالضرورة لان لا أحد يخشى فكرا متنورا غير حاكم مستبد أو رجل دين متشدد.