قصة البطل المغربي عبدالسلام الراضي

يوسف بخوتة


منقولة من موقع اه يا عرب

وقبل أن نغادر أولمبياد روما 1960 لنا وقفة مع أحد أهم أبطال العرب وهو الراضي بن عبد السلام الذي حقق فضية سباق الماراثون، وهذا البطل له قصة تستحق الرصد، ووفقًا لما جاء في إصدار خاص لمجلة البطل العربي التي تصدر عن الإتحاد العربي لألعاب القوى بمناسبة تكريم الأبطال العرب الذين حققوا ميداليات أولمبية، فقد ذكر التقرير قصة البطل المغربي الذي كان أيضاً أول عربي يفوز بلقب بطل العالم لاجتياز الضاحية في المنافسات التي شهدتها العاصمة الاسكتلندية غلاسكو عام 1960. وهو من مواليد 1929 في  بمنطقة مرنيسة شمال فاس. سجل في ماراثون روما رقماً عربياً (2.15.42 س) ظل صامداً 20 عاماً قبل أن يحطمه الجزائري عبد المجيد مدا (2.15.01 س).
وامتدت حياة الراضي الرياضية من1950 الى 1966، عندما ترك الجيش الفرنسي وعاد الى مدينته فاس وبحث عن عمل من دون جدوى. فرجع الى فرنسا ليلاقي متاعب أخرى. وعمل في ورشة لتعبيد الطرق، ثم في محطة للقطارات في ديجون حيث يسكن، وأخيراً في محطة لغسيل السيارات، لكن حالته النفسية والمعنوية لم تتغير رغم كل هذه المآسي. وكان الجميع يصفونه برجل الخلق والاستقامة ودائم الابتسامة.
عام 1972 أجرت معه مجلة ليكيب ماغازين الفرنسية مقابلة تحدث فيها قائلاً:
«إن الذكريات لا تذهب عني أينما كنت… فقد تركت الجيش ولم أجد أحداً يساعدني… أتساءل أين ذهب كل هؤلاء الناس الذين كانوا يقبلون علي بالمئات لتهنئتي والتحدث معي؟ أين هم؟ وهل نسوا البطل الراضي؟.
واستعاد الراضي بداياته الرياضية، فأضاف: «كان والدي يعمل بالزراعة في فاس وكنت أساعده ولم أعرف الرياضة قط في بداية حياتي. عام 1950 تطوعت بالجيش الفرنسي واكتشفوا أنني أستطيع العدو لمسافات طويلة من دون تعب! كنا نعدو في الجيش وكل واحد منا يحمل على ظهره كيساً وزنه 50 كبلوغراماً! وكنت دائماً من الأوائل… عند ذلك قرر رؤسائي إشراكي في بطولات الجري العسكرية وكنت أفوز بالمركز الأول. وتقرر إرسالي الى قطعة «جوانفيل» العسكرية التابعة للرياضة في الجيش الفرنسي».
وتابع الراضي ذكرياته: «هكذا بدأت ولم يكن لدي أي متاعب ولم أفكر سوى بالعدو. أما الآن فالحياة مملوءة بالمتاعب والمآسي. لقد نزعت مسامير حذاء الجري واستعملته حذاء عادياً في عملي للتوفير… كم الحياة تتغير؟ عام 1960 فزت ببطولة العالم للعدو الريفي (اجتياز الضاحية) في غلاسكو ولاقيت ترحيباً كبيراً. في المساء عدت الى باريس وكنت جائعاً فدخلت أحد المطاعم الكبيرة ورأيت جميع من كان في الداخل ينظر إلي في شكل ترددت معه في الدخول… وتساءلت هل بسبب ملابسي المتواضعة يا ترى أم ماذا؟ وجلست الى طاولة منزوية وتناولت وجبة عامرة ومتنوعة… وعندما انتهيت طلبت الحساب فأجاب المسؤول بأن أحد الزبائن قد دفع الحساب عني… ثم تقدم شخص إلي قائلاً: ألست الراضي الذي فاز ببطولة العالم في غلاسكو؟ قلت نعم، فقال لقد دفعت عنك الحساب، أرجو قبول ذلك لأنك كنت شجاعاً في سباقك ضد منافسيك، خصوصاً البلجيكي غاستون رولان… أهنئك من كل قلبي. وتقدم إليّ عدد من الموجودين في المطعم وأخذوا يتحدثون معي، وطلب أحدهم التوقيع على صورة لي كانت الصحف قد نشرتها إثر فوزي بالسباق».
وعن ذكرياته ومشاركته في ماراثون روما الأولمبي، قال الراضي: «كنت المرشح للفوز بالسباق ولم يكن أحد يعرف عن العداء الأثيوبي أبيبي بيكيلا شيئاً. لقد تعرّفت عليه صبيحة يوم السباق، اذ ذهبت لإجراء الفحص الطبي ووجدت شخصاً أسود اللون ممدداً على سرير الطبيب. واسترعت انتباهي قدماه اللتان كانتا شبيهة بقطعة من الفحم الحجري، أو بإطار أحد الشاحنات الكبيرة نظراً لسوادها وخشونتها».
ولفت الراضي الى أن بيكيلا كان هو الشخص الممدد على السرير «وعلمت في ما بعد بأنه يعدو حافي القدمين حتى في أوعر الطرق. وتقدمت نحوه وحاولت لمس أسفل إحدى قدميه بأصابعي وكنت واثقاً بأنه لن يشعر بذلك. وما أن لمسته حتى نهض جالساً ونظر إليّ بغضب، لكن الطبيب الذي عرفني، قدّمني إليه وأصبحنا منذ ذلك الوقت أصدقاء».
وأضاف الراضي: «في موعد الغذاء ذهبنا الى المطعم في القرية الأولمبية، وكان الجميع يتناولون غداءهم وأكل كل واحد منهم ما فيه الكفاية إلا أنا وبيكيلا فقد إكتفينا بتناول قطع من البطاطا المقلية والفاكهة… بدا السباق وكنا نحن الاثنين في المقدمة وعلى مسافة كبيرة من الجميع. وبدأت المنافسة بين بيكيلا وبيني، وعندما وصلنا الى الكيلومتر الـ40 كنت في المقدمة ثم وجدت فجأة حبلاً ممدوداً، وظننت أن السباق قد انتهى وفزت به… لكن بيكيلا ظل يعدو ولم يقف بعد أن توقفت عن الجري لأنه كان يعلم أن خط النهاية لم يزل على بعد بضعة مئات من الأمتار. وفجأة سمعت أحد المتفرجين ينادي بالفرنسية: إستمر في الجري يا راضي… واستمريت لكن بيكيلا كان أسرع مني الى خط النهاية، وفاز بالسباق بفارق بسيط عني…».