رسالة بلا مشاعر قومية

يوسف بخوتة


مقال منشور سنة 2006، في مجلة أفق الثقافية

لكاتبه: عزيز مشواط

عادة لا أندم كثيرا على أخطائي التي لا يسعها مجلد طويل عريض، ولا أندم على ما فعلت أو لم أفعل فالأمر سيان عندي، لكن حياتي مع ذلك مشحونة بالمشاريع الفاشلة، أنا العربي الذي أتخمتني خطابات الوحدة والقوة والتاريخ المشترك ووحدة الدين واللغة،.. أدير ظهري للحلم وأتفرج بشماتة بالغة على كافة إعلانات الوحدة المجهضة.. فتتضاعف كلاكل الفشل الرازحة على صدري كرسوخ الجبال، ومع ذلك أستمتع بمرارة طعم الحياة كل يوم، ككل مواطن عربي يتلذذ بحلاوة الصبر ويتقن الاستماع إلى تراتيل العسل مع كل نشرة أخبار تنضح تمجيدا لخليفة الله في الأرض الذي تخرج الملايين هاتفة باسمه إن هو لا قدر الله فكر في الاعتزال أو الاعتذار عن مهمة الإنماء والإفتاء والاعتداء.

من عاداتي السيئة كذلك أني لا أحب أولئك الذين ما إن يلقوا القبض على إنصاتك حتى يقصفوك بوابل من النصائح الدينية والدنيوية، يفهمون في كل شيء: في الطب والسياسة، في الاقتصاد والماكياج، في كرة القدم وحكم الشرع.. ولكن اسمح لي ولو لمرة واحدة كي أتحول إلى هؤلاء الذين ثقل ظلهم ولأتبوأ مكانتي بين آل النصيحة المذمومين.

النصيحة الأولى:

لا تعكر مزاجك بعدم الرضا سواء كنت يمنيا أو مصريا أو سوريا أو ليبيا أو جزائريا أو أردنيا أو مغربيا..، لأن الأشياء تجري على هواه، وعصاه السحرية قادرة على قيادة القطيع للانحناء وتعديل بنود هذا الدستور اللعين والآفة الغربية اللئيمة كي يصبح مطواعا يخلد الراسخين في الحكم.. أما إن كنت شجاعا – وهذا يبدو مستحيلا – فحاول أن لا تظهر مشاعرك الحقة ولو في أحلامك كي لا تبعث لك رسائل ملغومة أبسطها أنك تاجر مخدرات أو مزعج للجيران فتترصدك القبيلة، أنت الذي تدنس شرفها بجحودك الموجع.

النصيحة الثانية:

إن كنت مثقفا ضع نصب عينيك هدفا، والهث وراءه، لكن احذر عدوك، الصياد قد يتربص بك إن كنت لا تحسن الانحناء، أما وقد انحنيت بما فيه الكفاية فلا تثر اهتماما مبالغا فيه حتى لا تستقر في جبينك رصاصة فتأكل أصابعك ندما حيث لا ينفع.

النصيحة الثالثة:

أما وأنت من العوام الرعاع السفلة فإن مفتاح سعادتك بسيط وسهل المنال.. فقط تعلم التعايش مع الأبواب الموصدة ولعق أقفال الهزيمة وابتسم حين يزرعون في كفك أشواك الخسارة، وابتسم.. ولا تطلب تفسيرا يثير البلبلة فتنخفض أسهم البورصات ويخطئ لاعبو المنتخب ركلات الجزاء فتصبح رجلا بلا قيمة.. فتعدم.

النصيحة الرابعة:

لا تهتم بالوقت وكن غبيا ولا تطالع أي جريدة حزبية أوغير حزبية.. إنهم يملأون الأعمدة بالنسيان ويرطمون الليل ويشحنون أزبال الأزقة إلى الأدمغة.. لكن لا عليك إن أنت تذكرت ذاك الإعلان التجاري الذي تتحول فيه جثث إخوانك إلى أعقاب سجائر.
تذكره إذن ولا تغلق التلفاز، بل تقدم نحو زوجتك المنهوكة وارشقها بالكلينكس المستعمل، وتأكد أنها لن “تتوحم” في آخر الشهر وتطلب منك العنب الإسرائيلي.. أنت الذي تجيش في صدرك عروق العروبة والإسلام ..

النصيحة الخامسة:

علق وجهك على مرآة الصباح وانظر إليه مهما كنت مثقفا أو أميا، طفلا أو شيخا، مدرسا أو بائع نعناع.. انظر إليه عشر دقائق بالتمام.. لا زيادة ولا نقصان.. كي لا تتشظى ويعوي وجهك في المرآة كوميض أسطورة الحاكم بأمر الله.

النصيحة السادسة:

قد يغلي الدم في عروقك.. وقد لا تهز ذيلك في الوقت المناسب.. لكن أصدقاءك إلى طاولة الفتات سباقون.. يحسنون الإصغاء، ويستغنون عن مبادئ الأمس بدريهمات اليوم.. ومن دون إبطاء يبعثون رسائل البيعة وبرقيات الولاء ويخرجون في مسيرات مليونية طلبا لخلود الزعيم، زعيم الوحدة والديمقراطية والثورة.

النصيحة السابعة:

أغلق عينيك.. واضغط على زر الرومونت كونترول.. على الشاشة طفل يتسلق جدران الزجاجة الملساء.. ولد يجري تحاصره الدبابات.. طفلة خلف القضبان تلفظ أنفاسها.. الفلاح يدخن جوزته ويبكي.. الشمس تصرخ صرختها الأخيرة وتحتضر.. والدبابات آتية آتية آتية.

تعليقات