زواج الأقارب

عبدالحنين العيادي

    

   يعتبر زواج الأقارب، ظاهرة قديمة لازمت المجتمعات لقرون طويلة ،إلا أن هذه الظاهرة أصبحت في الوقت الراهن محط  نقاش بين مختلف شرائح المجتمع، فهناك من يدافع عن هذه الفكرة بشدة مبررا موقفه هذا بمجموعة من الأدلة مستندا في ذلك على كون زواج الأقارب يضمن الحفاظ على الدم والنسل والثروة، كما يضمن نوعا من التواصل بين الزوجين. بالإضافة إلى ما كرسته مجموعة من الأمثال الشعبية ،وما لها من حمولة معرفية تتم عن مقاربة موضوعية ، ومن بين أهم هذه الأمثلة نجد: “من دمك لدمك يرحمك “، “للي تزوج بنت عمو بحال للي عيد من غنمو ” .فهذه الأمثال الداعية إلى الزواج الداخلي سيطرت في مرحلة تميزت بالتفكير الانقسامي، وأمام انعدام وسائل الاتصال والمواصلات وفي وقت كانت فيه العائلة وآصرة القرابة هي التي تتولى توثيق عقد الزواج، زد على ذلك كون زواج الأقارب حاجة ضرورية لمواجهة هموم وأعباء الحياة في وقت كان فيه مفهوم الخطبة حاضرا بكل معانيه وأبعاده، ومع مرور الوقت وتغير نمط المعيشة والانتشار المكثف لوسائل الاتصال والنقل وتحول العالم إلى قرية صغيرة وانفتاح المجتمعات على بعضها البعض، علاوة على التحول الذي طرأ على إرادة الفرد، ناهيك عن تطور الجانب الطبي والوعي الصحي بشكل عام . كل هذا ساهم في تراجع نسبة زواج الأقارب   في المغرب من 33 بالمائة سنة 1987 إلى     21بالمائة في الوقت الحالي حسب إحصاء المندوبية السامية للتخطيط. ويفسر هذا التراجع بكون الزواج الداخلي وهو زواج مصالحي بامتياز”خيرنا مايديه غيرنا “وينتشر هذا النوع في صفوف العائلات الغنية بشكل واضح ، وذلك من اجل الحفاظ على الثروة والممتلكات ،ومن سلبياته أيضا يساهم في تخريب العائلات معا جراء المشاكل التي تنشأ بين الزوجين، كما لعب الطب دورا مهما في هذا الشأن مؤكدا على أن نسبة هامة من الأمراض وخصوصا الأمراض الوراثية المتنحية تنتج عن الزواج الداخلي وتصل نسبة الاحتمال الإصابة  بهذه الأمراض فيما يخص زواج الأقارب إلى 5 بالمائة في حين لا تتجاوز 2.3 بالمائة بالنسبة لخارج هذا الزواج، كما دعمت الأمثال الشعبية هذا الاتجاه أيضا ومن بينها :”بعد من دمك ليطليك ” ،”زواج بنت العم كل هم “،”الزواج من بعيد والحرت من قريب “.       

وفي خضم هذا النقاش نخلص إلى أن زواج الأقارب تكون فيه مخاطرة لكن هذا لا يعني منعه أو محاربته، بل يجب أن يكون زواج مبني على فحوصات طبية مسبقة ،فلا يعقل أن يكون عقد الزواج والذي يعتبر من أهم العقود وأخطرها مبني على شهادة طبية مميتة ومنعدمة هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يجب أن ينبني هذا الزواج على اعتبارات مصلحية واستراتيجيات مادية ، بل يجب أن يكون هناك اتحادات عاطفية، فلا ينبغي أن نضحي بالحب من أجل محاربة زواج الأقارب ، وكما يقول المغاربة “البغو صعيب “.                                                      

بقلم عبد الحنين الـــــــــــــــــعيادي

تعليقات