في قريتي حكاية

فريق التحرير


  بقلم: سليم التــــــــــزاني

في قريتي فتاة جميلة لا زالت في مقتبل العمر لم تصل الثلاثين بعد… زهرة فتاة ذكية و حالمة مستواها الدراسي لا باس به، قضت معظم طفولتها بقريتها الصغيرة تذهب و تجيء من المنزل الى المدرسة و من المدرسة الى المنزل، تلعب مع صديقاتها في وقت الفراغ أو بالأحرى في طريق عودتهن من المدرسة.. لقد كانت تساعد أمها في أشغال البيت من طبخ و عجين و غسيل…إنها كباقي الفتيات الصغيرات بالقرية، يقمن بالأعمال داخل البيت و خارجه دون تمييز عن الذكور في شيء إلا في الميراث و بعض الأشياء الأخرى… بل قد كانت زهرة تقوم بأعمال شاقة و متعبة، كمساعدة أبيها في البناء و جلب الماء من البئر بيديها الصغيرتين و رعي الأغنام و الأبقار وإطعامهم في أوقات محددة… هذا هو حال الأطفال بالبوادي، بشكل عام اناثا و ذكورا. لكن زهرة كان لابد لها من ان تعين اسرتها الصغيرة في مهام البيت لاسيما و أنها الفتاة الوحيدة إلى جانب أخويها الأصغر منها سنا… بالإضافة إلى أن أمها كانت مريضة باستمرار… و على أية حال فزهرة كانت تتسم بالدينامية و الحيوية و النشاط وببراءة الطفولة، لا تهتم لشيء و لا تعرف ما يدور حولها و لا ما ينتظرها في المستقبل.
ذات مرة ذهبت زهرة إلى البئر المجاور لتجلب الماء، ممتطية الحمار كعادتها، قد كان الفصل صيفا و الجو حار و مشمس… وأثناء عودتها صادفت إبن الجيران الذي كان يكبرها سنا، بادرها بالسؤال عن حالها و عن حال أمها المريضة و هو يقترب منها… وفجأة انقض عليها كالوحش كاتما صوتها بيد بينما يحمل باليد الأخرى سكينا جعله في عنق الفتاة الصغيرة و هو يهددها بالقتل إن هي صرخت… خافت المسكينة قبل أن يقوم هذا الوحش بإشباع غريزته الحيوانية… و قد هددها، ثانية، بالقتل إن هي أخبرت أسرتها بما حصل…
عادت المسكينة إلى المنزل مشدوهة و مصدومة من وقع الصدمة التي أصابتها… انطوت على نفسها و ظلت تبكي أياما في صمت… كبرت الفتاة لــيكبر معها الحزن و الألم و كأنهما كرة ثلج يزداد حجمها كلما تدحرجت على الجليد..
تنهدت زهرة و هي تبكي قائلة:
– إنني لم أكن أدري حينها ماذا أفعل؟ و لم أكن أعلم ما الذي حصل لي؟ إن أبي و أمي لم يحذراني من شيء…؟ لقد كان همي الوحيد مساعدة امي المريضة في أشغال البيت بعد خروجي من المدرسة مباشرة.
فكرت زهرة مرارا في وضع حد لحياتها، فقد شربت ذات مرة جميع الحبوب المنومة التي كانت تتناولها دفعة واحدة، لكن القدر شاء إلا ان تستمر مأساة المسكينة و معاناتها في الحياة..
تقدم لخطبة زهرة العديد من الشبان يطلبون منها الزواج، لكنها كانت ترفض باستمرار و تفر من المنزل بمجرد مجيء أحدهم يطلب من أبيها زواج ابنته.فهي لم تكن تريد مقابلة أحد و لا التحدث معه في الأمر فهي لم تعد تثق بأحد بعد الذي حصل لها، كما أنها كانت تخاف من فضح أمرها ان هي صارحت أحدهم بالواقعة… تكرر رفض الفتاة فتعجبت الأم لتصرفات ابنتها فقررت استفسارها عن الأمر سائلة عن اذا كان لابنتها فارس أحلام تنتظره أم أن هناك سبب آخر؟ لطالما تكرر هذا السؤال لكن المسكينة كانت تمتنع عن الجواب و تراوغ أمها دائما، غير أن إلحاح الأم و ضغوطات الأب هذه المرة قد ازدادت حدتها.
فلم تجد بدا من أن تبوح لأمها بالسر الذي طالما كان يعذبها و يقض مضجعها، غير أنها لم ترد أن تخبر اباها و لا إخوتها خوفا من الفضيحة أو الشوهة ومن انتشار الخبر في القرية… ظلت زهرة على حالها إلى أن تزوجت رجلا أرملا يكبرها سنا، ماتت زوجته الحامل و هي متوجهة إلى المستشفى في طريق القرية الوعرة.
لقد كانت كلمات زهرة قوية ومعبرة ومليئة بالأحزان وهي الفتاة القروية التي حرمت من استكمال دراستها ك”مريم” و “كريم” التي لا زالت تحتفظ بصورتهما ب”القراءة”، فقد كانت تود أن تلعب معهما الحبل و…. وتجري معهما حرة في الحقول تتبع الفراشات و تتفقد صغار الطيور في الأعشاش، دون أن يكون “الذئب” يترصدهم. لكن زهرة نبتت طواعية في غابة بعيدة تغذت بالجهل و الخوف و ترعرت بالفضيحة و الحشومة و أثمرت الأشواك و الألم و المعاناة… فرفقا بالزهور ايها اللصوص..
في قريتي حكاية
في قريتي لص… الى العدد القادم.

تعليقات