رفـقـــــــــــــــــــــة العــــــــــذاب

جواد الكبيبة

رفقة العذاب

   كل ما أحس به ليس كذبا أو ضرب من الخيال يأتيني من حيث لا أدري، وليس عقلي هو من يكوِن هذه الأفكار نظرا لغبائي الذي أعيش فيه، فقد كنت أعتقد أن الأمر كذلك لكن إصراري جعلني أدرك أن كل ما أحس به هو في الواقع حقيقة تتربص بي وتريد افتراسي،  إنها الحقيقة.. إنها الحقيقة… لقد فعلتها لقد فع…

هذا ما يردده كلما قطع حلم مزعجا نومه، ولا أحد منا استطاع أن يكشف السر وراء هذا الكلام، فهو يردده مذعورا كل صباح وعندما تسأله يكون جوابه بطريقة ساخرة:

ــــ هذا من اختصاص فرويد والطب النفسي

يقول كلامه هذا ويفتح نقاشا آخر كدلالة لتجنب الحديث عن نفسه، يستمر في حديثه الممزوج بالجدية والسخرية والكلام الهادف الذي يظن كل واحد أنه موجه له.. خيمت عليه موجة من الصمت وقال بصوت يحمل كل أعماقه:

ــــ أصعب شيء على الإنسان هو الخيانة، لا يطيقها الإنسان حتى في نومه إنها معذبة تصيب بالخوف وتجعلك تظن أنك تعيش الأيام الأخيرة من حياتك.

قال هذا وكأس الشاي معلق في يديه المرتعشة التي جعلتني أظنه فعلا يعيش الأيام الأخيرة من حياته، نظر إلي وأنا ألتهم الخبز وأرشف الشاي مخلفا شخيرا بفمي يكاد يكسر الكأس وفجأة وجه إلي سهام أسئلته التي لا تطاق:

ــــ ألم تتعرض يوما للخيانة؟

تجاهلت كلامه وبدأت أستهتر بضحك مصطنع حتى لا يأخذ سؤاله طابع الجدية.. نظرت إلى عينيه فرأيت الحسرة بمعناها، فأرغمت على الجواب والانخراط في الجدية وبصوت التافه المسكين الذي لا يفصح عن أرائه إلا في وقت الغضب أو تحت التهديد قلت له:

ــــ ألا ترى أننا نتعرض للخيانة كل يوم، هل تتحقق الوعود التي نسمعها بشكل دائما…

تجاهل كلامي فأحسست أنني لم أرضيه ولم أصل إلى أعماقه، تنهد بعمق وأخذ كأس شاي وذهب ليقبل سيجارته الصباحية وبلهفة المجنون ملأ رئتيه بالدخان، ثم وبدأ يصف نشوة التدخين وبلغة المحترف قال:

ـــ عندما تدخن سيجارتك الصباحية تحس برغبة قوية في سيجارة ثانية وكأنك تدخن إكسير الحياة، لا أدري هل كل المدخنين يراودهم هذا الإحساس…

أحسست بالألم الذي يراوده وتعمدت أن أعكر صفوته، وقلت:

ـــ إذا كنت تعتقد أن الأمر كذلك فأنت في طريقك إلى مستشفى الحماق، أو ربما تعيش في وهم كبر معك

أحس بالاختناق استنشق المزيد من الدخان ثم ابتسم في وجهي قائلا:

ــــ أنت بلهجة أبي لا زلت صغيرا لم تدرك بعد كمية الشر المحيطة بك أخشى عليك من نفسك  

انتابني الشك والخوف وعلمت أنه يحتاج لأحد ما ليكشف له عما بداخله، وبوجه المنافق حاولت أن أصحح الأمر وأعيد له مزاجه:

ــــ لا تقلق من يا صديقي فأنا أمزح فقط، خصوصا وأنا الحياة تقهرني باستمرار، فلماذا اليأس والتشاؤم ونحن مارون من هنا

نظر إلي نظرة صادقة وقال:

ــــ ماذا تعرف عن التشاؤم والقهر وأنت لا زلت مع الطاولة منذ أن نهضت، هل المتشائمين يستهلكون ذلك القدر من الطعام؟

أحنيت رأسي ضاحكا مع نفسي غير مبالي بكلامه، بدأ يتكلم بمفرده  كأنه يؤنبني على استهتاري، ثم أخذ محفظته وقال بلهجة حدة كدلالة على عدم رغبته بمصاحبته:

ــــ افترق مع تلك الطاولة.. ستجدني في المكان المعهود    

ــــ أحب الجلوس بجانبك لكن أنت دائما في انشغال كما أظنني لن أجد مكانا شاغرا بجانبك….

فهم قصدي فنظر إلي ثم انصرف بهدوء وكأنني صعقته  بألف فولت وأوحى لي ذلك بالكثير وبدأت أفكك لغز كلامه أثناء النوم ويأسه الذي يزداد يوما بعد، بدأت أتكلم مع نفسي كالأحمق وبصوت مرتفع:

ـــ لا.. لا يمكن أن تكون فتاته وراء ذلك، هل افترقا؟ لا يمكن فحبه صادق…

لم أجد جوابا فازدادت حيرتي خصوصا وأنني أطيق الحديث عن الحب، رغم أنني أعلم ما بداخله من صدق وإحساس عميق، فقررت الخوض معه في هذا البحر العميق الذي لم أسبح فيه يوما، لكن في الأخير أقنعت نفسي ألا أخوض معه حتى أعلم جيدا ما بال صديقي الذي لزمه العذاب، ذهبت إليه حيث يجلس دائما بدون أن ألفظ ولو كلمة جلست بجواره أفكر فيه وهو يداعب كتاب بين يديه الرقيقتين وبين الفينة والأخرى يدون عبارة بجرة قلمه، نظر إلي بحنين وعبث حتى جعلني أنحني حسرة وقال:

ـــ لقد مللت سأعود للنوم، اقرأ شيئا ما لا تقضي اليوم كله في الترهات أرجوك

اعتقدته أنه يمازحني لكن منذ ذلك اليوم وهو طريح الفراش ينام الليل والنهار، لا يحافظ إلا على أوقات التدخين والأكل العبثي، تحاشيت إحراجه فسألته إن كان مريضا فكان جوابه بسيط ومعقد في نفس الوقت:

ــــ لن تفهم شيء، فقد جنيت على نفسي وأستحق هذا الألم، فلا تسألني أرجوك، كل ما تفعله من أجل نفسك هو احتط كي لا تقع فريسة الخيانة، لأنك ستقضي حياتك كلها تلوم نفسك وليس من عرَضك لذلك…

استمر في حديثه عن الخيانة وبعض الأقوال عن الضمير والصدق وما إلى غير ذلك من الأمور التي انقرضت منذ قرون، فعلمت أن صديقي تعرض لضربة في الظهر ولن يساعده أحد على الخروج من هذا الألم، وسيظل رفقة العذاب فأقسمت أن أعيد لصديقي الاعتبار وأعتزم الكشف عن هذه الحقيقة التي ألمت صديقي وجعلته ينام على صدره ويبكي بقلبه.. اقتربت منه قليلا فسألته إن كان بخير، فنظر إلي نظرة كادت تجردني من ذاكرتي وقال:

ـــ لا تبالي بي يا صديقي ولا تتعاطف معي، فأنا طلقت الحياة ولن تدرك حقيقة أمري مهما حاولت استنطاقي…

استمر في كلام خافت لا أدري معناه، فزاد ذلك من ألمي وعذاب حتى أحسست أنني عاجز أمام صديق يحتاج لمساعدتي، تفاديا للمزيد من الإحراج تركته وخرجت أحمل في ذاكرتي عذاب لم أعرف حتى مصدره وعندما استرجعت ذاكرتي وجدت نفسي جالسا في مكانه أتفحص كتبه على طريقته ثم وقفت على مسطر عليها بخط غليظ مفادها ” الحقيقة تقتل وويل لمن يقول الحقيقة قبل أوانها“، تركت الكتاب جانبا وقلت بصوت مرتفع أثار انتباه الجالسين من حولي:

ـــ لقد صدق كلامك هذا…

ثم بدأت أتمتم بمفردي وفجأة سمعت رنة هاتفي المعهودة، أخذت الهاتف فوجت رقم صاحب المنزل وبصوت خافت نابع من ذات مرتعشة فتحت الخط ويدي تضاهي اهتزاز الهاتف جراء  الإرتعاش… أجبته بعد تردد:

ـــ ألـــــــــــو عمي، هل أنت بخير؟

وبنبرة صادقة وبثقة المتقي قال:

ـــ يجب أن تأتي حالا.. رحم الله صديقك

لم أصدق الأمر، بل تسمرت في مكاني أرجوا أن لا يكون الآمر كذلك وسيطر علي بحر من التناقض وبدأت أجن بدون سابق إحساس:

ـــ لا يمكن أن يموت.. ربما سكتة قلبية أصابته جراء التدخين المفرط، لا يمكن أن أصادف هذا موته وهو دخل إلى حياتي بالمعنى الكلمة، كيف أواجه هذا الموت؟ ماذا سأقول لأمه…

سيطرت علي كل هذه الأسئلة كلها وسط دهشة يصعب فهمها ولم أقوى على الحركة إلا الارتعاش الذي أمسك بجسدي كله وكأنني أختبر الموت بدوري، وفجأة قطع حيرتي المتوحد الذي كان لا يفارقه، نظر إلي بعينين دامعتين يمسك عليهما بمنديل، ثم احتضنني بين ذراعيه وقال هامسا في أذني:

ــــ عزاؤنا واحد يا صديقي في أخونا المتوكل…

انسلخت من بين ذراعيه باكيا وصرخت في وجهه قائلا:

ـــ لا يمكن أن يحدث ذلك، لا يمكن أن يموت المتوكل…

ـــ بلا لعنة القدر هاته.. لا يمكن أن أسميها غير ذلك فالقدر يا صديقي ينتقي الأفراد الطيبين، ويترك الأشرار يدنسون الأرض بشرهم…

استمر في حديثه ثم تذكرت كلام المتوكل وألمه الذي عشته معه في هذا اليوم قبل أن يرغمني على تركله بمفرده، نظرة في وجهه بتعصب وقلت:

ـــ  لا يمكن أن يكون موته طبيعيا، فقد كان يقول كلاما يوحي بالكثير، لهذا لن يذهب موته سدا…

وضع المتوحد يده الخشنة على فمي فكاد يخنقني وقال بهمس:

ــ لقد ترك ثلاث مذكرات وأوصى بها لك، ستجد فيها كل الأجوبة التي تحتاج إليها، الآن هيا معي لنخبر عائلته حتى لا يطول الأمر، وأنذاك نسبقهم للمستشفى حيث أخذوه…

ـــ بلا. سأذهب لأخذ مذكراته أريد أن أعرف السبب وراء العذاب الذي رفقه، وسر صمته وغموضه، إنه بالنسبة إلي لغز يحتاج مني فكه، وسأعمل ذلك رغم أنكم تصفوني بالغباء وأنذاك سأعرف إن كانت لعنة  القدر أم تدخل إنسان.

تعليقات