التيـــــــــه

جواد الكبيبة

 

   وضعتها بين ذراعي وتشبثت بها وبدأت أتوسل إليها كي تبقى معي، لكنها أفلتت جسدها من بين يدي وتجاهلت توسلي.. لم تنظر حتى في وجهي التعيس وتركتني وابتعدت عني قليلا .. تجاهلت ابتعادها واقتربت منها من جديد متوسلا أطلب منها البقاء بجواري لأنني أحبها بين ذراعي، لكنها ابتعدت عني من جديد متجاهلة كلامي… عدت لنفسي أتساءل لماذا هذا الانصراف؟

 

  لم أجد جوابا لفعلها وقررت بدوري الانصراف.. لكن بدون عودة، بذلك أخذت هاتفي النقال كتبت رسالة قصيرة مفادها ” لـــــــــن أعـــــــــود ” أرسلتها لها عشر مرات، ثم حذفت رقم هاتفها وتركتك كل يذكرني بها في ذاكرة الأيام حتى أقوى على نسيانها.. شعرت بندم شديد رغم انصرافها وبدأ التناقض يسري في عروقي فتبخر معه دمي.. لم أسيطر على الصراع  حتى وجدت نفسي أعنق زجاجة خضراء تسل دما، قبلتها بحرارة فاعتقدت أنها شفتيها وصرت على ذلك الاعتقاد حتى فقدت على قارعة الطريق مغمورا ببقايا الأزبال بعدما نظفت الشوارع في الصباح الباكر، تحولت الثمالة خجلا ولم أجد مخرجا لإحراجي، فأخفيت وجهي بسترت ومثلت نفسي متشردا لم ينصفه القدر… تسكعت في شوارع المدينة قليلا فأوقفني التعب أمام حانة نادلها إمرأة تصفحت جيبي فوجدت مائة وخمسون دهم نقدا وهاتفي الخلوي يساوي ضعف قيمتي.. أغمرتني سعادة لم أحس بها يوما فتوجهت إلى النادلة وقلت لها  بلهجة البلداء:

 

ــ أريد زجاجة ثمنها قليل ومفعولها كثير..

 

جابهتني بابتسامة الإغراء وأمسكت بقبضتها الرجولية زجاجة تميل إلى السواد، فتحتها بخفة سحرية ورفقتها بعبارة استفزازية:

 

ــ إنها مصنوعة من سم الأفعى، إذا كنت من المبتدئين ستفيق على صفعات رجال الشرطة

 

 بدأت تضحك باستهتار فبدلتها نفس الضحك فاعتقدت أن زجاجتها الرخيصة فعلت فعلها، نظرت إليها بتأن وقلت:

 

ــ لقد لدغتني أفعى قوية، لذلك أظن أنني محصن ضد سم الأفاعي، هل لديك سم آخر أفضل أن يكون سم الشياطين..

 

تواضعت معي .. سحبت ضحكها وكأنني صعقتها بالكهرباء، نظرت في أرجاء الحانة لم تجد زبائنها المعتادين وقالت بلهجة مهذبة اصطنعتها خشيتا على نفسها من متسكع مخمورا سلفا:

 

ــ هل تريد الويسكي؟

 

تجاهلت كلامها وتوجهت نحوها منحتها أربعون درهما فأضفت الخمسة تضامنا، فارتسمت على وجهها علامة الدهشة وتحولت إلى هاوية، رغم أنها أظهرت الاحتراف.. منحتني ابتسامة رغما عنها وقالت:

 

ــ  تعرف ثمنها.. شكرا على البقشيش ولا تبتعد طويلا

 

ــ بلا.. فأنا في رحلة سميتها الانصراف.. ومن قواعدها ألا تعود إلى نفس المكان مرتين حتى لا ألتقي بأحدهم…

 

انصرفت بخطوات مملة وضعت يدي على الباب، فقالت بأنين كدت ألا أسمعه بسبب الصداع الذي ينتابني:

 

ــ هل أنت هارب… هل تبحث عنك الشرطة.. أظنك ارتكبت جرائم عديدة، لدي مكان يليق بك.. لا تنصرف خصوصا وأنت شاب في عز أيامك..

 

 وجدت في كلامها نوعا من الإغراء، لكن كيف أعيش مع امرأة تفوق الأربعين.. تمايلت نحوها بتثاقل نظرت في وجهها فوجدتها في تعاطف تام، ابتسمت لها وقلت:

 

ــ أنا هارب من نفسي لهذا لن أبرح في مكان بعينه.. أظنك طيبة لهذا سأزورك في يوما ما…

 

تركتها وذهبت بدون أن أحدد مكانا أستقر فيه.. تذكرت هاتفي النقال فتوجهت أبحث عن دكان لبيعه بالفعل صادفت إحدى الدكاكين مكتوب على بابه إصلاح وبيع الهواتف المستعملة، وقفت أمام بابه مدة طويلة نظرا للزحمة التي كانت عليه، كل الناس همهم الهواتف النقالة، استطلعت الأمور فوجدت نفسي الوحيد الذي يريد بيع هاتفه، رمقني صاحب الدكان وقال:

 

ــ هل تنتظر أحدهم أم لديك هاتف هنا؟

 

 بادلته نفس نظراته وقلت:

 

ــ بلا أريد بيع هاتف وأنتظر دوري لأن هناك من سبقني ولا أحب أن أخترق الصفوف

 

تجاهل كلام زبنائه  واندفع نحوي بلهفة وعندما رأى الهاتف تراجع إلى الوراء وبدأ يحملق في هندامي المتسخ وحالتي الميئوس منها وقال:

 

ــ هل هو مسروق؟

 

فبائعي الهواتف معتادين على شراء الهواتف المسروقة وبعد جدال طويل وبرزانة أسلوبي أقنعته أن الهاتف هاتفي.. وأنذاك حددنا الثمن في خمس مائة درهم.. أعطاني إياها نقدا، إستلمت النقود وقررت أن أستفزه بعدما أحسست باستفزازه فقلت له:

 

ــ لا تحكم على الناس من مظاهرهم.. فكثير من المتشردين شرفاء تشردوا بأحكام مثلك من الناس..

 

احمر وجهه خجلا ووافقني الرأي وشكرني على البضاعة ثم انصرفت أبحث عن وجهة تبعدني بعدما تسلحت بنقودي… ذهبت إلى أول محطة صادفتها فوجدت علما قائم بذاته.. متشردين.. أصوات تتعالى.. بين الفينة والأخرى ترى الدماء تسيل من أحدهم والآخر يجره رجال الشرطة الأشداء.. نظرت إلى بنية جسمي النحيفة واقتنعت أنه من الصعب العيش مع هؤلاء الناس ولا مكان لي في عالم الرعب هذا.. رمقت عيني مقعدا من الإسمنت فارغا توجهت إليه بدون تردد وبمجرد أن جلست رأيت جثة تتجه نحوي بغفلة مني صفعني بيدين متسختين وقال:

 

ــ أنت جديد هنا لذلك لن أبرحك ضربا.. هذا مقعدي وإياك أن تجلس فيه بعد الآن

 

لم أفهم كلامه جيدا فقد أبقيت على صفعته فجأة سمعت صوت غليظ :

 

ــ كتامة… كتامة… كتامة…

 

  هربت نحوه مباشرة وسألته بهلع شديد عن الحافلة.. نظر إلي بقسوة فأعتقد أنني متشرد وسأل هل لدي ستون درهما منحتها له بدون تردد فأرشدني إلى حافلة أقل ما يمكن القول عنها إنها خردة تشبه الحافلة التي تربط قريتي بالمدينة.. صعدت إلى الحافلة فوجدتها فارغة بدأت أختار بين المقاعد فاستقر بي الأمر في مقعد تفوح منه رائحة نتنة.. توجهت إلى مقعد آخر فوجدت نفس الأمر… سلمت أن الحافلة كلها متسخة نظرا لطبيعة الأشخاص الذي تقلهم.. تسمرت في مكاني أنتظر انطلاق الرحلة ولكي أسلي نفسي قليلا غصت في ذاكرة الأيام وجعلت من ذكرياتي المأساوية أيام جميلة أتلذذ بها وبدأت أخاطب حبيبتي كأنني أعيش فيلما رومانسيا بجميع خصائص وفجأة قطع لذة حلمي صوت رهيب فتحول الفيلم الرومانسي إلى فيلم رعب… وضع قبضته الغليظة على رقبتي فوجدت نفسي أحلق بين يديه أميل هنا وهناك ككفتي الميزان.. لطخني فوق المقعد وسألني ماذا أفعل في حافلته.. وبسرعة الضوء استخرجت التذكرة من جيبي وأشهرتها في وجهه لاعبا دور المنتصر خطفها مني بخشونة وقال:

 

ـــ لقد فعلها معي الشمكار سأذبحه الليلة

 

سحبني من حافلته بالقوة فعلمت أنني تعرضت للنصب من ذلك “الشمكار” كما قال صاحب الحافلة فأخذني إلى حافلة أخرى لا تقل عن الأولى اتساخا شرح لي الأمر وفرض علي أن أضيف خمسون درهما وركبت الحافلة التي انطلقت في لحظتها… وبعد نوم عميق وجدت نفسي أنزل في مكان آخر والظلمة لم تنته بعد.. سألت ما الأمر فكانت الإجابة أن الحافلة تعرضت لعطب ميكانيكي.. بدأت أتفحص في أوجه المسافرين وهم نساء ورجالا وبعضهم أطفال يصرخون.. أخبرنا مساعد السائق أنه سيصلح العطب بسرعة لم أهتم لكلامه ولم أحس بالرعب على خلاف باقي الركاب لأنني أنا الوحيد الذي لم أختر وجهتي وكل الأماكن بالنسبة لي متشابهة.. انتظرنا طويلا حتى بدأ الصبح يخاطبنا بمختلف أصواته.. أصوات السيارات.. العصافير.. حفيف الأشجار.. انسلخت عن الناس فتوجهت مباشرة إلى الأمام حتى وجدت نفسي في مفترق فيه طرق معبدة وأخرى عليها أثر المواشي، بدأت أختر بين السبل وكل سبيل أفترض معه الأسوأ، وبعد طول تأمل وجدت نفسي في مكاني أنتظر الخلاص عسى أن تعود ذاتي التي لا تستقر على حال..   

 

تعليقات

  1. القصة قصتي ولا تعني أحدا… التيه خيالي والهجرة هجرتي، لي وحدي أصنع عالمي.. كلمات جوفاء ومعاني ميتة

  2. قصة جميلة تذكرني ببعض القصص التي كنت اقرأها ,فأسلوبك يا أخي جواد رائع و ممزوج ببعض المفاهيم التي يمكن القول عنها بانها ذات طابع فلسفي فكلها تحمل أكثر من معنى,انك تكتب للذي يفهم معنى المعنى أو بالأحرى للذي لا يفهم المعنى السطحي بعبارة أخرى أسلوبك عميق………. تحية لك أخي جواد

  3. غريب أمرك أنت يا هذا الذي تقرأ الفلسفة وتكتب القصص والشعر والرواية
    هل أنت موهوب أم مريض بالاسلوووووووووووووووب
    جميل ننتظر المزيد

  4. لقد اتخذت من العنوان اسم التيه و ربما أضنك تائه و هذا لا يعني انك وحدك تائه بل الكل أصبح تائه يبحث عن ذاته التي استلبت منه و ضاعت و أنا اعرف ربما جرحك و تيهك الذي يجعلك اسير حروفك المبثورة