هروب الأحلام

جواد الكبيبة

  على قارعة الطريق أنام  أنتظر الصباح الباكر لكي تمر شاحنة  القمامة لأجد ما أقتات عليه أكوام من الأكياس البلاستيكية متأثرة بالصراع الطبقي وتظهر التناقض من مظهرها الخارجي.. بمجرد أن تفرغ الشاحنة مخاضها يبدأ الصراع الحقيقي بين المتشردين، أترك الصراع جانبا وأتوجه مباشرة إلى الأكياس الثمينة التي تأتي من الأماكن الخاصة… أكسب قوتي اليوم وأعود إلى مكان تشرذمي حيث لا يوجد أمثالي من الضائعين، تكمشت في مكاني أنتظر مرور أحدهم لأحصل على سيجارة مجانية، وفجأة وقفعت بجواري سيارة لم يسبق لي أن رأيتها.. سيارة فخمة لا يملكها إلا رجال المافيا .. تبادر إلى ذهني علبة من “المارلبورو” وتناسيت سيجارتي الرخيصة فتح الباب فاعتقدت أن رجلا وإذا بي أجد امرأة في الأربعينيات شعرها يميل إلى لون الغروب أحمر ممزوج بالأصفر، تنتعل نظارات شبيهة بزجاج سيارتها الأمامي.. بدأت أنظر إليها فحيتني بابتسامة جميلة، بادلتها التحية وانتظرتها أن تستخرج نقودا معتقدا أنها ستمنحني صدقة، لكنها نادت علي والابتسامة لا تفارق وجهها:

ــ اصعد.. اصعد معي… لا تخشى..

عدت إلى نفسي أتفحص هندامي وأنظر إلى شكلي المتسخ.. رشحت الحلم وبدأت أصفع وجهي بشدة وأقول:

ــ انهض.. انهض.. لا بد أنني أحلم.. أنا أحلم…

نظرت إليها من جديد فوجدتها تنهمر ضحكا.. علمت أنني لم أصدق نفسي فكررت طلبها مرة أخرى بإلحاح أكثر.. نظرت من حولي فتحت الباب الخلفي، فنادت علي إلى الأمام.. ركبت بجوارها في مقعد مريح لم أتصور الجلوس على مثل هذه المقاعد أبد الدهر.. أحسست كأنني ربحت اليانصيب الذي كثيرا ما طمحت بملياراته.. أحسست بالإحراج فبدأت تلح علي باستئناس أن أجلس في راحة تامة.. نظرت إلي وقالت:

ــ أنت شاب وسيم ما اسمك.. أظن حتى اسمك سيكون جميل

عرَفت لها باسمي فمدت يدها الرقيقتين وقالت:

ــ أنا اسمي فـــردوس؟

تركت يدها معلقة وبدأت أنظر إلى يدي التي تشبه مخالب… ابتسمت في وجهي من جديد وتمتمت فصوت خافت:

ـــ لا عليك.. لا بأس فأنا أعرف ظروفك لهذا أتعاطف معك.. تفاءل إذن…

أخذت يدي وصافحتهما بطريقة راقية توحي بمكانتها الاجتماعية.. لدرجة  جعلتني أشك في نفسي.. اكتسبت بعضا من الطمأنينة وبدأت ألمح بنظراتي في وجهها الذي يشبه مؤخرة سيارتها الفارهة وبعد طول صمت سألتها بحشمة :

ــ ما هي مهنتك؟

ــ صيادة ..

وقبل أن أسأل عن طبيعة صيدها استخرجت لسانها وقالت بتلذذ:

ــ أصطاد المتعة..

قالت كلامها وتبعته بابتسامتها المعهودة.. لعبت دور الغبي  وبينت لها أنني لم أفهم شيئا من كلامها وقلت باستنكار:

ــ غريب عملك.. آه فهمت أنت “بزنازة” تتاجرين  في المحظورات…

ــ تبدو أذكى مما تدعي.. هل تعتقد أنني صدقت؟ لقد فهمتني جيدا

قطعت حديثنا بصوت فراميل السيارة وقطعت دهشت بكلامها المبتسم:

ــ لقد وصلنا هذا هو منزلي

لم أقوى على الكلام ولا على الحراك عندما رأيت منزلها الرومانسي، بمجرد أن دخلنا على الباب جردتني من ملابسي وقالت:

ــ الحمام هناك.. أنت تعرف ما عليك فعله.. فأنت الآن ضيفا عندي لمدة شهر بكامله

وبعفوية أجبتها:

ــ هل هو شهر العسل ؟

ــ أظنه أفضل من ذلك…

أرشدتني إلى الحمام الذي يشبه بركة السباحة نظرا لشساعته، وقبل أن أحس بلذة الماء الساخن، حتى بدأت أتألم في ظهري.. وضعت يدي على ظهري لأتفحص مصدر ذلك وإذا بركلة شرطي تألم يدي، هربت قبل أن انتصب واقفا والحلم لا زال يراودني وازداد اشتياقي لتلك البركة المتواجدة في الحمام، لكن عندما ازداد الألم في ظهري تخلصت من الحلم وذهبت أبحث عن السيجارة  التي رغبت فيها بعدما تغذيت على صندوق القمامة.

تعليقات

  1. ما فائدة القلم اذا لم يفتح فكرا

    أو يضمد جرحا ..

    أو يرقأ دمعة ..

    أو يطهرقلبا

    .. أو يكشف زيفا .
    .
    أو يبني صرحا يسعد الإنسان في ضلاله..

  2. قصة رائعة تتطلب من القاريء ان يعيد قراءتها اكثر من مرة لكي يقتنع بان الحلم هو الاخر جريمة يعاقب عليها القانون. تميزت القصة بالسلاسة في المرور من اليقظة الى الحلو قبل ان تعود ثانية الى اليقظة، كما ان وصف حالة اليقظة معبرا و يصف الحالة الصعبة التي يعيشها المتشرين في الشوارع ، في الوقت الذي كان فيه سرد الحلم مفصلا و دقيقا جعلت القاريء لا يعتقد بانه حقيقة و ليس حلما خاصة و ان القصة تضمنت عبارات تدل الوعي و اليقظة مثل:” لا بد انني أحلم..” و ” جعلتني اشك في نفسي”… و لعل هذه الاشارات تجعلني ارجح بانه كان “حلم يقظة”. اجمالا، فالصراع الطبقي يضل حاضرا حتى في لاوعي المهمشين من السكارى و المتشردين و المنسيون… و الطلبة الذين لا يختلفون عن هذه الفئات من الناس سوى في وعيهم بالصراع الطبقي و حملهم للفكر الحر….

  3. أولا أود أن أحييك تحيت القلم الذي يجمع ما فرقه القدر والواقع…فقبل الشروع في النقد أود أن أشيد بإلتفاتتك الفاتنة لموضوع الهامش وأن تجعل من قلمك منبر الهامش والمهمشين.. فسيرك في الظل واهتمامك بالمسكوت عنه يجعلنا نرفع لك القبعة ولا نتوقف عن التصفيق..لم أتفاجئ لمستوى قصتك لأنك عودتنا التألق والإبداع.
    سأبدأ بالعنوان: إن اختيارك للعنوان كان استجلابيا يسيل لعب القارئ الزائر لذلك تجدني توقفت لقراءته، فالهروب هو القدر كلنا نهرب من مشاكلنامن المسؤولية…ويبقى لنا الحلم حيث نصنع عالمنا الذي لا يشاركنا فيه أحد، أما وأن يهرب الحلم كما جاء في عنوان قصتك، فتكون صدمة لنا لأنه لم يعد لنا فضاء رحب نخلق فيه ونبدع لذلك سوف لن نفر من الواقع إلى الحلم وسوف نتجرء على ومواجهة الواقع والتوقف عن الأحلام الواهية.
    أما بخصوص القصيدة: فحقا قد استطعت أن تدخلني إلى حلم _ ك _ المتشرد ، المهمش، المغضوب عليه، لتصفعني في النهاية بالحقيقة، نعم الحقيقة التي هي حقيقة يجب مواجهتها ومجاراتها لأن الحلم يجب أن يصبح واقعا ونترجم الحلم إلى لغة الأمل.

  4. قصة شيقة دكرتني بمقطع من رواية الخبز الحافي لمحمد شكري ,فاحلام هدا الفتى شبيهة بتلك الامواج القوية التي تاتي مسرعة من عرض البحر ثم ترتظم ساجدة تحت اقدام الصخور ,والصخور هو الواقع .اعجبتني القصة تحياتي لك,,,,

  5. باختصار جواد شخص يجيد الرسم بالكلم،انه معماري للمعنى بامتياز،ورسام فذ للدلالة،يلون نصه كما يشاء،مازجا بين الواقعي والمتخيل بحبكة فنان.فطوبى لك صديقي جواد فانت تستحق لقب سوبرمان المعنى بامتياز.

  6. الأحلام لا تهرب نحن من يهرب إليها احتجاجا على الواقع الذي يلفظنا ( اليقضة)…الأحلام تهرب إلينا أيضا كي تذكرنا بإنسانيتنا الموؤودة (النوم) وبين الحلم والواقع يتربع شيطان البؤس سلطانا على مشاعرنا الموغلة في البراءة!!!! إنها نوع من التعويض المرن و المؤقت تعويض رمزي لرزايا الواقع ومصائب الحاضر وتخوفات المستقبل… في القصة نجد رابطة دم قوية بين الحلم والفقر – ولعل هذا ما قصده نيتشه وكانط عند ربطهما بين الحلم وأوجاع المعدة – والسلطة!!! إن هذه القصة الجميلة هي أوجاع هامش بينه وبين الحياة خط فاصل يمشي دائما وأبدا على قارعة الحياة وظيفته أن يهتف ويؤكد ويعلل ما يقوله النص- الديكتاتور…إن الهامش( المتشرد في القصة) حياة تبحث عن الحياة ووجود يبحث عن التواجد…وإنسان لم يتبقى منه غير الهيأة….لذلك وحدهم الهامشيون من يحلمون في اليقظة ويتمنوا دائما لو كانوا سحرة يحولون صحون العدس بروشيط مذهون بابتسامة….
    “حلم غير مشروع” هو ذا المقولة المؤطرة للقصة ككل, حلم لا تسمح به السلطة ككل الأحلام لذلك وؤد الشرطي هذا الحلم لئلا ينازع فراعنة القرار امتيازاتهم لذلك حرمت السلطة الحلم بواقع أفضل على مستوى الإمكان ” لا تحلموا بالمناصب الرزق بيد الله” وفي المقابل بنت مسجدا في وسط المدينة ونصبت إماما سليط اللسان يقول دوما ” الجنة تحث أقدام الفقراء” أحلموا بالجنة أيها الفقراء…فالقصر من حق القيصر.

    دمت متميزا
    أيهاالهامشيون دمتم كفارا بقرارات بوذا السياسي