فتاوى ‘الكيف’ تفرق فقهاء الريف

فريق التحرير
                                                                                                 
                                                                             
                                                                                                                                                                            كتامة:بقلم محمد العبادي
فرض منتوج القنب الهندي “الكيف” بجبال الريف في كتامة وغمارة وبني زروال وبني احمد دفع “شرط” الفقيه مما أصبحت تنتجه الأرض من الكيف، يقول أحد المزارعين، على شكل حزمات “المشموم” من “الكيف”، أو تخصص للفقيه قطعة أرضية تزرع له كِيفا.

وتلخص هذه المقولة الوضع في المنطقة، حيث تفرقت فتاوى فقهاء الريف عن “الكيف”، ففيما يبيح فريق إنتاجه واستعماله ويدافع عنه سرا وعلانية، يحرم فريق آخر العشبة ويصفها بالنبتة الملعونة

ويستند الفريق الأول، الذي يجيز إنتاج “الكيف” ويبيح ما يدره من أموال في قضاء الحاجات من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وحتى بناء مسجد وشرط الفقيه وغير ذلك، على ما ورد في شرح لامية الوردي المسماة “نصيحة الإخوان” ومرشدي الخلان، وما جاء في حاشية العلامة عبد الله بن محمد الطالب، من أنه لا يجوز تحريم الحشيش إلا القدر المؤثر منه في العقل، ويجوز استعمال اليسير منه للدواء ونحوه.

أما الفريق الثاني فيذهب إلى تحريمه ورفض ما يدره من مال وعائدات، وعلتهم في ذلك فتاوى شيوخهم في تحريم “الكيف”.

وعن تضارب المواقف في شأن تحريمه وتحليله بين الفقهاء والأئمة، استقت “المغربية” آراء فقهاء بمنطقة كتامة، أجمعت على أن “الكيف” أضحى من الطابوهات عند الحديث عنه، إذ لا يستطيع أي إمام أو فقيه إصدار فتوى أو الحديث في شأنه بكلمة تجيز تحريمه أو تمنع إنتاجه واستهلاكه، ومن يفعل ذلك، يضيف هؤلاء، يغامر بحياته ويجد نفسه “مطرودا وغير مرغوب في إمامته ولا الصلاة من ورائه”.

ومن يرغب في تحريم العشبة، وفق آراء فقهاء بالمنطقة، عليه أن يبحث عن الإمامة والشرط في مساجد غير مساجد كتامة وغمارة وما جاورهما من نطاقات الريف المشهورة في إنتاج “الكيف”، أما من تجرأ وحاول تكسير الطابوهات، فإن صدى فتواه لا تتعدى بيته. أما الفقهاء المتحدرون من مناطق إنتاجه، فلا يجد بعضهم حرجا في الحديث عن فتاوى الأشياخ التي تجيز “الكيف”، حتى وإن وجدوا بمساجد مدن ومناطق بعيدة عن موطن إنتاجه.
ولا يجد الفقهاء والوعاظ حرجا في بناء مساجد فخمة بالمناطق المنتجة لـ “الكيف” من عائداته المالية، إلى حد أضحت معه مساجد في قرى نائية ومعزولة بجبال وعرة تنافس مساجد مدن كبرى وأحياء راقية، سواء على مستوى المعمار وما يختزله من ضخامة ونقوش وزخرفة، أو على مستوى تجهيزاته من زرابي وثريات وإنارة ومرافق ونظافة وعناية بأمور الفقيه والإمامة وغير ذلك.

واللافت أن وزارة الأوقاف باتت، بدورها، في السنوات الأخيرة، غير محرجة من الاستفادة مما تدره أراضيها من أموال نتاج أكرية أضحت باهضة، جراء مضاربات المزارعين وضغط الطلب على أراضيها لاستغلالها في زراعة “الكيف”، خاصة في نطاقي بني زروال وبني أحمد وغمارة.

المنحى نفسه يسير فيه العديد من سكان كتامة، الذين يلوذون بضريح الولي الصالح سيدي امحمد جمعون، المشهور بضريح “مول الكيف”، إذ يزورونه في موسم متوارث أبا عن جد شهر يوليوز من كل سنة، ويذبحون عليه العجول والثيران، ويقيمون الولائم والأفراح، حسب الاعتقادات السائدة، التي تتحدث، في رواية عن الشريف مول “الكيف”، مفادها أن “بن جمعون خاطب أهل كتامة قائلا: يا الفهامة قلعوا الغابة وغرسوا الطابة، ولما استفسره كتامي: هل الأمر كيف كيف، أي سيان، أجابه الشريف: حتى هو زيدوه”.

 وتفيد شهادات لفقهاء أن مناطق غمارة وبني زروال وكتامة كانت، إلى عهد قريب، مستنبتا وقبلة لتحفيظ القرآن الكريم، وكانت مساجدها تضم أكثر من مائة طالب يطلق عليهم “المحاضْريَّة”، يفدون عليها من مناطق شتى، ما جعل تلك المناطق أبرز مصدر للفقهاء بالمغرب. بيد أن هذه الخصوصية سرعان ما تلاشت، في العقد الأخير، وبات سكان كتامة وبني زروال وغمارة يرون في زراعة “الكيف” أفقا وموردا للتغلب على ضغوط الحياة القاسية، وشكلت هذه الزراعة مصدرا أساسيا لعيش فئات عريضة منهم.

تعليقات