مرنيسة بعيون زائر

فريق التحرير

 

بعد أن أبعدني القدر عنها لسنين غير قليلة، عاد نفس القدر ليرغمني على العودة من حيث رحلت. عدت وــ العود أحمد ــ إلى مرنيسة.
انطلقت رحلة العودة من العاصمة العلمية، باتجاه طريق رسمه لي القدر، ذلك القدر الذي طالما غلبني وهزمني شر هزيمة، ركبت الحافلة مرغما.. لأعانق الماضي السحيق، وأنا في الطريق بدأت أتساءل من نفسي وأسترجع ذكريات الزمان والمكان معا، مستخرجا لمحات رسمت من قبل في ذاكرتي رافضا ما رسخته ذكرى الماضي في مخيلتي عن أخر الأماكن التي رأيتها. ففي مرنيسة الماضي لا شيء جميل، المدينة: فقط تلك العلامة المكتوبة في مدخلها، سوق أسبوعي، كارثي، …وأجمل ما في المدينة وأروع ذكرياتي عنها هم أولئك الخلق ــ سكانها ـــ الذين وحدهم وحلاوة الطبيعة وحضن الجبال…من حفروا في ذاكرتي كالنقش على الحجر.
وأنا غارق في صراع الأطلال والذكريات…استرجعت وعيي وأنا في طريق مرنيسة….لا شيء تغير، الحجر نفسه، كل الإعوجاجات، طريق جهنم، وامرأة بجانبي وابنتها من المدينة يبدو أنهما مثلي في زيارة خفيفة، لم يتوقفا عن السب والشتيمة لمرنيسة وأهل مرنيسة وزوار مرنيسة ــ كما أنهما لم يتوقفا عن استرجاع كل وجبات الأسبوع ــ لكن هل كان من الصواب أن يشتموا سكان مرنيسة والمكان…هل الفلاحين المساكين والأحجار تتحمل المسؤولية عن عدم التغيير؟
لم يرتح لهم بال أو يصمت فيهم لسان إلا وقد بلغا المكان الذي كانا إليه زائران، أعتقد أنهما بالغا في السب والنكران، ليس مهم لأن الجميع يتكلم ويفرغ دواخله، أعتقد أنهما مكبوتين كبقية سكان المدينة.
انطلقت الحافلة من جديد في طريقها الوعر.. وأنا بدوري سافرت من جديد في ذكريات الزمان لعلي أسترجع بعضها، وبعد أن وصلت إلى حيث ما أريد ــ سيدي عبد الرحمان ــ ونزلت من الحافلة، أول ما لاحظته هو تغير طفيف. هههه نعم مرنيسة تتطور هناك طريق مرصف وأضواء الشوارع !!! وقبل أن أسأل أفسد المضيف اندهاشي وفرحتي وأخبرني أنها نتيجة الزيارة الملكية. وأضاف مازحا بأنهم ينوون إزالتها بمجرد ما أن يتأكدوا من أنه لن يعود مرة ثانية.
وما أن دخلت البيت ضيفا واسترحت قليلا حتى جذبني الحنين من جديد إلى زيارة بعض الأماكن التي شدني الشوق إليها بقوة، خرجت مهرولا إلى المدرسة ــ سيدي عبدالرحمان ــ تغير كل شيء، بترت الأشجار، ورحل كل المعلميين وأسرهم الذين كنت أعرفهم وأبناؤهم أيضا لم أعرف سوى حارس المدرسة (امحمد) الذي لم يعرفني إلا بعد أن ذكرته بإسمي كاملا ومن أكون. خرجنا معا إلى المقهى المقابل للمدرسة لنرتشف بعض القهوة وهي فرصة لأتعرف من جديد على بعض الوجوه الطيبة التي قد محى الزمن و القهر أجمل ما فيها من قسمات.

ـ (الجزء الأول)