تقرير:السياسة الضريبية في المغرب وسبل الإصلاح لإقرار نظام ضريبي عادل.

فريق التحرير

الكاتب :حاتم سراج

المكان : المعهد للإحصاء والاقتصاد التطبيقي
الزمان : الثلاثاء 8 ماي على الساعة السابعة والنصف
الموضوع : السياسة الضريبية في المغرب وسبل الإصلاح لإقرار نظام ضريبي عادل.
المحاضر: الأستاذ نجيب أقصبي
في التقديم أكد الأستاذ نجيب اقصبي أن نقاش السياسة الضريبية في المغرب يأتي في سياق دولي ووطني تطبعه الأزمة ووقعها الذي جعل الحكومات في مختلف بلاد المعمور تعاني من مشكلات العجز في ماليتها العامة . هذا العجز جاء نتيجة لتطبق تعاليم “هايك” ومن خطا خطاه من النيوليبراليون اللذين ناذوا بخفض الضرائب لتحريك عجلة الاقتصاد على أمل توسيع الوعاء الضريبي كنتيجة حتمية للاستثمارات التي تخلق بفعل الاعفاءات الضريبية، إلا و أنه بعد مرور 20 عاما على تطبيق هذه السياسات (منذ التمانينات) لم تتحقق هذه النبوءة وظلت الدول تتخبط في ندرة الموارد، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول جدوى هذه الحكاية، خصوصا في ظل تدخل الدولة في كل شيء.
بالنسبة للمغرب يصل العجز الميزانياتي إلى مستوى 5% من الناتج الوطني الخام (PIB)، هذا ذون الأخذ بعين الاعتبار الفرضيات المتجاوزة التي بني عليها مشروع قانون المالية لسنة 2012. فنسبة 4.6 % المتوقعة لا يمكنها إلا أن تنخفض إلى ما بين 2.6% إلى 3% بالنظر لتضرر القطاع الفلاحي هذا الموسم ولا واقعية ما تم رصده لصندوق المقاصة الذي قد تصل مصاريفه إلى ما بين 50 و 60 مليار درهم عوض 32 مليار درهم المفترضة. أضف إلى ذلك لا واقعية الفرضيات التي بني عليها سعر البيترول، وبعملية بسيطة يمكننا القول أن العجز الميزانياتي سيصل خلال هذه السنة إلى إلى نسبة 7% من الناتج الداخلي الخام. الوضع المالي بالمغرب، إذن، هش وجد صعب لذلك وجبت تقوية موارد الدولة عبر إصلاح ضريبي منصف وعادل وللحديث عن الإصلاحات (ثانيا)، لابد من تشخيص واقع نظامنا الضريبي الحالي (أولا).
أولا : واقع النظام الضريبي الحالي
لتشخيص أي نظام ضريبي لا بد من التطرق إلى عنصرين أساسيين هما : الضغط الضريبي والبنية الضريبية.
1- الضغط الضريبي
بالنسبة للضغط الضريبي (حاصل المداخيل الضريبية على الناتج الوطني الخام) يصل إلى 23 % وهو معدل عادي على اعتبار أنه يقع ضمن المعدل العالمي الذي يتأرجح بين 20 % و 25 % . إذن لا يمكننا الحديث عن إرهاق فوق العادة للملزمين.
2- البنية الضريبية
تعاني البنية الضريبية في المغرب من اختلال كبير يتمثل في سيطرة الضرائب الغير المباشرة التي تتميز بمردوديتها وطابعها اللامنصف واللاعادل.
إذ تساهم حسب مشروع القانون المالي لسنة 2012 بحوالي 62% مقابل 38 % من الموارد تساهم بها الضرائب المباشرة. بالإضافة إلى تمركز الضغط حول ثلاث ضرائب أساسية : الضريبة على القيمة المضافة و الضريبة على الشركات و الضريبة على الدخل حيث تمثل ما بين 76 و %77 من المداخيل الضريبية. فأي إصلاح ضريبي إذن يجب أن يمر عبر هذه الضرائب الثلاث التي تعاني هي الأخرى من اختلالات:
فالنسبة للضريبة على الدخل التي تشكل من : الضريبة على الأجور التي تساهم ب %72، والضريبة على العقار التي يمثل %20 والضريبة المالية التي تمثل %8 و الضريبة على الفلاحة التي لا تساهم بأي شيء بفعل الاعفاءات اللامنطقية واللامبرراة لقطاع الفلاحة. من خلال هذا التوزيع يتضح أن الضريبة على الدخل تتمركز بشكل أساسي حول الأجور.
أما بالنسبة للشركات فتتمركز الضريبة حول شركات معينة في حين تظل أغلب الشركات خارج دائرة واجب تحملات مصاريف الدولة حيث أن % 63 من الشركات تعلن نتائج سلبية أو محايدة.
في ظل هذه الاختلالات يبقى النظام الضريبي عاجزا عن تغطية مصاريف الدولة. حيث أن الموارد الضريبية لا تعطي سوى %60 من المصاريف الشيء الذي يدفع الدولة إلى تغطية عجز %40 المتبقية عن طريق الاستدانة بالأساس نظرا لضعف مداخيل أملاك الدولة ومداخيل الخوصصة.
هذا العجز جاء كنتيجة حتمية للإختلالات السالف ذكرها ومشكل النفقات الضريبية التي أكدت دراسات أن تأثيرها محدودا كعامل من بين العوامل التي يعتمدها المستثمر في أخد قراره، إذ تختلف درجة هذه العوامل بالنسبة لاستراتيجية كل مستثمر وفي أغلب الحالات نجد أن ثمن العقار واليد العاملة والنقل هي من بين العوامل الأكثر تأثيرا في حين يظل العامل الضريبي ثانويا. إذن يمكن القول أن 32 مليار درهم (4% من(PIB لسنة 2012 سوف لن تعطي أكلها على مستوى الاستثمار. الشيء الذي يستلزم إعادة النظر في النظام الضريبي المغربي وطرحه للنقاش في أفق إقرار ضريبة عادلة ومنصفة.
ثانيا – سبل الإصلاح لإقرار نظام ضريبي عادل : عناصر من وجهة نظر الحزب الاشتراكي الموحد.
إصلاح النظام الضريبي في المغرب يمر عبر إصلاح الضرائب الحالية (1) واقتراح ضرائب أخرى (2).
1- إصلاح الضرائب الحالية :
إصلاح النظام الضريبي المغربي يمر عبر ثلاث ضرائب أساسية : الضريبية على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة على اعتبار أن هذه الضرائب تساهم نسبة تتراوح بين 76 و 77 % من مجموع الموارد الضريبية فيما تمثل الضرائب الأخرى النسبة المتبقية. إصلاح يسير في اتجاه توسيع الوعاء الضريبي وفرض مستوى إنفاق يجعل المواطن أمام واجب وطني وليس أمام عبئ ضريبي يتقل كاهله، وذلك بتطبيق مبدأي الإنصاف العمودي الذي يتجلى في إقرار تصاعدية الضريبة دون توقف والإنصاف الأفقي الذي يهدف إلى تحقيق مقولة ” نفس الدخل، نفس الضريبة”.
ولفهم هاذين المبدأين نأخذ كمثال الضريبة على الدخل التي تتألف للتذكير من 5 فئات من الدخول يطبق على كل فئة معدل مختلف (%38 بالنسبة لأعلى دخل مهني، 25% على الدخل العقاري. %10 على الدخل المالي و %0 على الدخل الفلاحي، وهو ما يطرح إشكال الإنصاف العمومي لذا وجب توحيد المعدلات لإقرار هذا الإنصاف .
أما مشكل الإنصاف الأفقي بالنسبة للضريبة على الدخل فيتجلى في الخلل الذي يطال مبدأ تصاعدية الضريبة على الدخول التي تتجاوز قيمتها 180.000 حيث يطبق معدل %38 على جميع الدخول دون تمييز في حين أننا نجد أن بعض الدول تطبق معدل يصل إلى %96 بالنسبة للمداخيل الكبيرة، نظام ضريبي كهذا يجعل العبئ يتمركز حول المداخيل الوسطى الشيء الذي يؤدي إلى إدكاء الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها.
أيضا، يبقى إصلاح الضريبة على الشركات ضروريا على اعتبار أن إصلاح من هذا القبيل سياسهم في الرفع من موارد الدولة حيث أن فقط %27 من الشركات تتحمل عبئ هذه الضريبة. إصلاح يتجلى في محاربة الغش الضريبي عن طريق توظيف محققين لسد الخصاص في هذا المجال (340 محقق ل 169000 شركة بمعدل حوالي 497 شركة لكل محقق)، ومحاربة التهرب الضريبي بمراجعة النصوص القانونية الضريبية لتلافي أي ثغرة قانونية قد يستعملها الملزم في تهربه من الضريبة.
أما بخصوص الضريبة على القيمة المضافة التي تعتبر أداة ضريبة متقدمة جدا، لكن مشكلها يتجلى في كونها غير عادلة وغير منصفة بالإضافة إلى كون وعاءها مقلص بفعل الاعفاءات. الشيء الذي يتطلب إصلاح عميق لهذه الضريبة يتجلى في إقرار ضريبة حقيقية على كل القيمة المضافة مع فرض سعر مرتفع على الكماليات وإعفاء أو فرض معدل خفيف على الأساسيات.
إلى جانب إصلاح النظام الضريبي المالي يعتبر إقرار ضرائب أخرى كالضريبة على الثروات الكبرى والضريبة على الارث ضروري للرفع من موارد الدولة.
2- إقرار ضرائب أخرى
يتعلق الأمر بالضريبة على الثروات الكبرى والضريبة على الإرث.
فيما يخص الضريبة على الثروات الكبرى يجب أن نعترف أن بلدنا يتميز بفوارق طبقية صارخة لذا يعتبر إقرار ضريبة على الثروة ضرورة ليس على المستوى الاجتماعي وحسب بل وحتى على المستوى الاقتصادي حيث أن هذه الضريبة ستساهم في تحريك الرأسمال العقيم الذي يمثل نسبة هامة بالمغرب.
أما بالنسبة للضريبة على الارث يعتبر إقرارها ضروري حيث ستساهم في بناء ثقافة التضامن والتكافل. كما أن الجانب الاقتصادي في هذه الضريبة لذلك يصل حاضرا في هذه الضريبة : فالمستفيد من الارث في غياب ضريبة كهاته، لا أحد يرغمه على أن يعمل في حين أن هذه الضريبة تجعله يعمل لتفادي فقدان تروته.
وفي الختام يمكننا القول أن الضريبة عمل في المؤسسات وتعبر عن مدى مواطنة كل مواطن، فالبرهان على المواطنة الحقة هو تأدية الضريبة وأي إصلاح يجب أن يكون نتاجا لقناعة المواطن بجدوى تأديته للضريبة ليس عبر قوانين وإجراءات فوقية. ومن هنا يعتبر طرح المسألة الضريبية للنقاش العام مسألة ضرورية لتحقيق هذه الغاية.
جدير بالذكر أن بعض الدول قامت بمأسسة هذا النقاش عن طريق إنشاء “مجلس الاقتطاعات الجبرية ” le conseil de prélèvement obligatoire ” الذي أنيطت به مهمة المشاورات والنقاشات الديموقراطية لإنشاء الضريبة. فما أحوجنا في مغرب اليوم إلى مؤسسات ديموقراطية كهاته.

تعليقات