الانتحار ظاهرة اجتماعية متفاقمة. فما هي أسبابها؟

محسين زويتن

لانتحار هو قرار يأخذه شخص من اجل إنهاء حياته بوسيلة من الوسائل المتاحة وهي تختلف بين الذكر والأنثى هذا من الناحية الموضوعية، أما من الناحية النفسية فالانتحار:هو نوع من العقاب الذاتي و الانتقام من الذات، و إلحاق الأذى للذات. الإنحار سلوك رافق الإنسان منذ أقدم العصور، علماً أنه لم يبرز ويصبح ظاهرة إجتماعية إلاّ في منتصف القرن الماضي، إثر التغيّرات السريعة التي واجهت الحياة في مختلف المجتمعات المدنيّة. وإذا كنا أخذنا بالاعتبار أن استحواذ فكرة الموت على أدمغة بعض الأفراد والجماعات، هو نتيجة صراعات داخلية متفاقمة، يمكننا استنتاج وجود علاقة وطيدة بين تفاقم هذه الصراعات، وخصوصاً في صفوف الأجيال الصاعدة، والتطورات الاجتماعية الحاصلة، الأمر الذي يدعو الى الاعتقاد بوجود تفاعل غير سوي بين المنتحر وبيئته الخارجية. ومن الاسئلة المطروحة على هذه الظاهرة. ما هي العوامل المتسبّبة باضطراب التفاعل بين الفرد والمجتمع، وما هو الدور الذي يؤديه هذا الاضطراب على صعيد تغلّب فكرة الموت على غريزة البقاء؟ السبب الرئيس للانتحار يكمن في الشعور بالغضب تجاه العالم الخارجي بسبب عدم القدرة على توجيه العقاب لؤلئك الناس توجه العقوبة تجاه الذات. سبب آخر هو الشعور بالذنب و الرغبة في عقاب الذات . الشعور بالوحدة و الشعور بأن العالم لا يفهمه و ليس هناك من يشعر معه. ان اثر الاطرابات النفسة حسب آخر الدراسات التي تناولت ملابسات مشكلة الانتحار، وخصوصاً في صفوف المراهقين والشباب، فإن تزايد الاضطرابات النفسية في غير مكان في العالم، قد تحوّل مؤخراً الى حالة وبائية تستدعي التدخل السريع من قبل المعنيين في الحقلين الاجتماعي والنفسي. واللافت أن هذه الحالة لم تعد تقتصر على مجتمع معيّن، بل انتشرت بفعل عدوى حضارة العولمة الى مجتمعات كانت في الماضي أكثر أماناً واطمئناناً، وفي مقدّمها مجتمعاتنا العربية المحافظة والمتديّنة. وهو دليل واضح على حقيقة أن جينات الإنسان الوراثية ليست وحدها المسؤولة عن منحاه السلوكي، بل أصبحت تعتبر عاملاً مشاركاً في عملية التفاعل البشري مع مؤثرات البيئة الخارجية، وما ينجم عنها من تغيّرات في الميول والتوجّهات ونسبة التكيّف مع الواقع. الميل الى تدمير الذات هنا لا بد من الإشارة الى نظرية الفيلسوف الألماني إمانويل كانْت، الذي يعتبر أن الميل الى تدمير الذات، هو سلوك يقتصر على الإنسان وحده من دون سائر الكائنات. فالانسان ينتحر بصورة إرادية بينما الحيوانات لا تُقبل على هذا الفعل بإرادتها، بل نتيجة أخطاء عفوية تتسبب بموتها. وهذا يعني أن الإنسان المتشبّث بالبقاء وحب الحياة والاستمرار بالفطرة، يندفع بالوتيرة نفسها باتجاه تدمير الذات عندما تختل علاقته بنفسه وبالمجتمع من حوله. وبغض النظر عن دور المؤثرات الوراثية المتجذّرة في الجينات، والتي تؤمن الاستعداد الوراثي للإصابة بالأمراض النفسية وبالتالي التفاعل السلبي مع مؤثرات البيئة، يشير الإختصاصيون الى علاقة بعض العوامل الاجتماعية في نشوء الميل القسري الى تدمير الذات، وهنا ابرزها: سرعة العصر وغياب التواصل الإجتماعي، ثورة التصالات وما احدثته وكذا العقائد النفسية. ولا ننسى تأثير الازمات الإقتصادية والبطالة والعوز وهنا نجد الطريقة الجديدة للانتحار –احراق الذات-، ودورها في تفعيل مشاعر القلق والخوف والميل الى العزلة والانطواء، الأمر الذي يعزّز الأفكار السلبية ويغلب غريزة الموت على غريزة البقاء. اهم شيئ يجب العمل عليه هو الأخذ بعين الاعتبار دور البطالة في تفاقم الشعور بالفشل والضياع، ومن هنا أهمية وضع برامج لتأمين العمل للشباب بما يتناسب وكفاءاتهم العلمية.