وجعلنا منه كل شيء حي

يوسف بخوتة


تراها معوجة الظهر شاحبة الوجه، تركت مكانها في الفصل وأصبحت تتبع حمار نحيف الجسم اعوج ظهره هو الآخر من كثرة المشي والمجيء حاملا ستين لترا من الماء تنعدم فيه شروط السلامة. هذا هو حال الفتاة القروية، وحال البادية وحال دواوير عدة من مرنيسة ، تعيش الحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة، آلا وهي الماء الذي بدونه تستحيل الحياة.                           

تعاني مجموعة من الدواوير تدخل في نطاق
مرنيسة من نقص حاد في مجال الماء الصالحة للشرب. وتزداد المعاناة مع ازدياد  درجة الحرارة معلنة قدوم فصل الصيف، الذي يكون الفصل بين الحياة  والموت. حيث ترى في بعض القرى طوابير من البغال والحمير وكل ما يمكن أن يحمل براميل بلاستيكية زرقاء، سوداء، حمراء وبكل الألوان، يقودانهم أطفال وصبيات وجوههم تعبر عن ألوان البؤس الذي تعاني منه المنطقة والإهمال الذي تعرفه أحق المعرفة. أطفال كان الأجدر أن يكون مكانهم هو الفصل يتعلمون فيه الحياة، لكنهم تراهم يتعلمون أبجدية الحياة من جانب أخر لا لشيء إلا أن مرنيسة كانت مسقط رأسهم التعيس ليروا كل هذه المعاناة. فمن لم يبخل باطن أرضهم بقطرة ماء فهم في عيشة راضية. ولكن من أبت، فهم في طريق الهاوية رسمتها لهم الطبيعة وصناديق الاقتراع. رسمت لهم الحياة بمداد الحڭرة، بأسلوب التهميش ورسالة الإقصاء.                                      

يتكرر هذا في عدة دواوير بمرنيسة وأحيانا في عز الشتاء. وما يدل هذا على شيء وإنما يدل على لا مكان لنا في هده الحياة. رغم أننا عندنا بحيرة وسط الجبال تسمى حقينة سد أسفلو يأخذون الناس فيه الصور لنراها في الفيسبوك مشمئزة.

المسألة ليست في الفيسبوك أو في شيء أخر ، ولكن في كيف نخدم هذا البلد. فهناك ما وراء الجبال كمية لا بأس بها من المياه، ما يمكن أن يسد ويروي ظمأ كل المرنيسين إنسانا وأرضا. لكن أين الإرادة؟  وهنا لابد أن نتساءل أين وصل مشروع ربط الدواوير التي كان يروج لها حين كان ذاك الأجنبي يجوب المنطقة طولا وعرضا يوهم الناس بأنهم (….) سيربطون كل الدواوير بالماء الصالح للشرب؟أانتهى المشروع ونحن في غفلة لازلنا نقود الحمير والبغال تلك المسافة الطويلة، والماء ينهمر عذبا وراء الباب؟ لا أظن ذلك. فلازال هناك صبيات تنتهك حرمتهن في رحلتهن  الكئيبة هذه. هناك من حملت، وهناك من اغتصبت، وهناك من سقط في الجب ليس كقصة يوسف، وإنما كقصة المهمشين في هذه البلاد.                                              

الماء هذه المادة، الوسيلة التي لا يمكن للحياة أن تكون بدونها هناك – والحقيقة مرة – العديد من الناس يقطعون مسافات ليست بالهينة – من كيلومترين إلى أربع أو خمس- من أجل ستين لترا منها. مما أدى بالعديد إلى الهجرة خارج نطاق المنطقة كي لا يحسبوا عليها لأنها لا توفر لهم العيش الكريم.