مسودة ممنوعة

جواد الكبيبة

     بقلم وألم أكتب عن لوعة ما كنت أتوقعها، ألم في القلب وقلم في اليد وأنا أتأرجح بين الحروف والكلمات أبحث عن حجة لغياب غير مبرر، وبروح عارية أسير ذهابا وإيابا وفيها أفق ممنوع دخل حياتي بغفلة وبدون إذن مسبق مني، وبذلك تحولت إلى طيف لا يشبهني ينام بجوارك..  بجوارك كلما سنحت فرصة الاشتياق وغاصت الذاكرة في أيام الظلام والنور وكلما انطفأت المصابيح على شوارعنا وبدأت ضجة الصباح في الانتشار أزيغ عن الناس وأذود بالفرار خوفا من افتراس العيون وسبق الكلام، قلت في نفسي إلى متى سأعتزل الناس وأنا أحبهم وهم يحبوني أكثر مما أحبهم، فكانت الإجابة كنقرة على فأرة الحاسوب، أجاب طيفي، إلى أن تجد حجة لغياب نفسك، وتعيد أيام زمانك، طردت طيفي وسرت أبحث عن نفسي فلم أجد حجة لغيابي، تركت حجة الغياب ولم أعد في حاجة إلى ورقة الدخول لحياتك، بل لعنت القدر على ما أتاني، وقررت اعتناق سحر الظلام وصمت الرهبان في غياهب الدير، فأغلقت أذني لكي لا أسمع صوت الأذان ووضعت القطن في أنفي لكي لا أشم رائحة العطور، وأعلنت عن بيع نفسي إلى أقرب تاجر الأرواح، فكتبت على جبيني سفينة تسير على اليابسة للبيع، فاستفسر التاجر عن أمر السفينة، وقال أنه يعلم أن السفينة لا تسير على اليابسة، فكيف تحولت معي تسير على اليابسة، فكانت النتيجة أنني خشب السفينة، فرفض شرائي لأنه يبحث عن الجزء النابض في السفينة، لكن هذا ما افتقدت إليه، زهرة الحياة غابت عني وتحولت صيرورة حياتي قلم وعذب، ومسودات ممنوعة، وبدأت أحس بالموت تبتعد عني والزمن يتقلص نحوي وسقطت في مفارقة لم أجدها من قبل، مفارقة عذاب الزمن، الموت يبتعد والزمن ـ زمن حياتي ـ يقترب نحوي رافعا راية بيضاء اعتقدته مستسلما، لكنه يطالب باستسلامي، لم أبالي فأنا مستسلم منذ أيامي الخوالي، وتركته في صراع مع الموت، ورميت نفسي في سكرات الأحلام والأحزان، لكن ما وجدت حجة لغيابك، بل تحولت إلى طيف يمشي بين الناس ويعشق الظلمات، وهكذا عاد ليلي نهاري ونهاري ليلي، وقررت العيش مع الظلام في غنى عن ذكرياتي، وبين الفينة والأخرى أتذكر طيش نفسي وسخاء قلبي، وأتناسى كلام أمي التحذيري، فإليك عني وابتعد عن كلامي، فما عدت لنفسي، ولن تحصل بعد الآن إلا على طيفي، الذي حصل على لون بشرتي، وأساليب حياتي، أما نفسي فلا زالت تبحث عن حجة غيابك وتدون مسودات ممنوعة، ليس من النشر بل من الفهم.

    لم انتبه لوجودي أيامها..  أيام الدواء، بل كنت منتبها أيام الداء، بغفلة الغبي الطائش أبحث عن دواء أكثر فعالية، فسقطت في داء أطلب بسببه رصاصة الرحمة، حيث تحول أفق الأحلام الجميلة إلى أفق لم أجد له صفة ولم أعثر عن اسم له، فشبهته بعذاب الجحيم، لأننا تعلمنا أنه الميزة الجيدة في العذاب، لكن رغم هذا ويا لجنوني لا زلت أبحث عن حجة الغياب، وطيف يلتصق بي ويبعد عني نفسي كلما حاولت ترك هذا العذاب، بل حل محل نفسي، وتفاجأ الكل لجنوني وللوعة العذاب الذي ينخر داخلي، وأنذاك سلمت وحكمت على نفسي أنني من بقايا العهد التراجيدي، لكن خلقت في أيام الظلم والاستبدادي، وغياب.. لكن لا يهم فقد ألفت المقعد الحزين والطاولة التي تتعاطف معي وتحن إلى رائحة دخاني، الذي يغيب في الصباح الباكر ويعود في بواكر الليل، يسأل عني ليرسم لي نفحات الصبر، وينسيني في حجة الغياب ويساعدني على الذوبان في الليل، ويقاوم ملل القلم من العذاب.

 بقلم وعذاب أقول لن أعود اليوم وإن عدت فقد سأكون طيف ينام مكاني نفسي ولن تحس بعد اليوم بمكاني فوق سريرك، فلك طيفي، وشبه روحي، فأنا منذ اليوم سفينة تسبح فوق اليابسة، لأنها تستهلك الألم وقودا والحزن ربانا، فإليك عني ولن تعود بين ذراعي أو تحت أنظاري، وإذا كان الإيمان طريقك فسأختار الشرك سبيلي، وإذا كانت الحياة مسعاك، فسأعلن موتي، ولن ترى سوى طيفي، ولن تقرأ عني سوى مسودات ممنوعة لن تقوى على فهمها مهما حييتي وعشت، ولن تجد من يفسر لك كلامي، ولا مجال للبحث عن دواء لدائي، فقد كانت وفاتي الأولى بالنسبة لك طبيعية، أما موتي الآن التي منحتها لي فهي شرك، وغياب حجة غيابك.