ولدوا قسرا في مرنيسة

يوسف بخوتة

حين تتفوه بكلمة طفل في كل المجتمعات، عادة ما يتراء لك مصطلح البراءة في الأفق لائحا. لكن حين تنطق بكلمة طفل في المجتمع المرنيسي، فعادة ما تتراء لك المأساة بادية على محي الصبية التي خانهم القدر وكان مكان ازديادهم مرنيسة. فقد ازدادوا وازدادت معهم المآسي. تراهم حين يشتد عودهم – وغالبا ما يشتد هذا العود في السن الرابعة – وراء قطيع من الغنم أو الديك الرومي أو بقرة شمطاء ثائرة في المراعي القاحلة. وحين يصلون السابعة يفك الله سراحه ويرسله أبوه أو أباها إلى المدرسة البعيدة عن مركز سكناه مسافة الأرض والسماء بقياسه هو في هذا السن. المدرسة والمرعى يقتسمان وقته، وليس هناك وقت ثالث ليعيش طفولته. فتراه يختلق الحماقات في محاولة منه للتوفيق بين التزاماته وحاجيات طفولته الملحة، كاللعب مثلا. فتراه في الحقول القاحلة يلعب ويلهو تاركا وراءه القطيع يعبث بمحاصيل الآخرين. أو تراه في الفصل المهترء لاهيا مع نفسه أو أحد اقرأنه التعساء، غير عابئا لما يدور في الفصل من شرح للدروس. فيكون عقاب كلتا الحالتين العقوبة بالضرب المبرح. وهنا تبدأ العقوبات المفروضة على هذا الكيان الصغير. الذي لن يعرف شيء سوى تدريب حسمه على التحمل. لأن الأتي أكثر من الحاضر. هذه صورة  أولى في ألبوم مأساة صبايا الجبل.

الصورة الثانية، وهي اقسى  من الأولى. تراهم – الصبايا- رائحين إلى المدرسة في صباح باكر جدا وقد تجمدت أياديهم الصغيرة في فصل الصقيع الموحش التي تشهده المنطقة في قمم جبالها الشاهقة. يمشون مسافة كيلومترات عديدة بخطى صغيرة، وإن وصل في غير الوقت أو غير نشيط جسميا. أي مهيئا للقراءة والكتابة في أقسام ليس لها من شروط التدريس سوى قصدير موحش يبث الزمهرير في الشتاء. والجحيم في الصيف.. يصلون القسم مجمدي الأيدي في غالب الأحيان مبللي اللباس، متحدين أمواج الأنهار والوديان العاتية ليجدوا أمامهم عصى معلم لا يرحم. لتبث في أجسادهم النحيفة شيئا من الدفء.. يبرحهم ضربا منتقما للقدر الذي رماه في الجبل بين أحضان الصقيع متذرعا بأنه لم يقوموا بواجباتهم المدرسية. وهو يعلم أنهم مساكين لا حول ولا قوة لهم. حيث بمجرد ما يصل إلى منزله يرمي بالمحفظة في ركن من أركان البيت ويتبع قطيعه الذي يتناوب عليه وأخوه الذي يصغره سنا. فيعود مرهقا من كثرة المشي إلى المدرسة ومن كثرة الجري في الحقول القاحلة وراء نعجة شمطاء. أو يكون ترك واجبه المدرسية قسرا لان الشمعة التي كان يعول عليها ليقوم بواجباته المدرسية انتهت في غفلة منه وما كان عليه سوى التسليم بأمر الواقع وانتظار الأتي من الزمان في صباح اليوم الموالي. وأكيد سيكون أسودا مع درس (لا كونجكزو).

الصورة الثالثة. تراهم في السوق بيدهم حزمة من أكياس البلاستيك يستعطفون الناس من أجل درهم أو نصفه يقون أنفسهم به حر السؤال لجيوب أبائهم الفارغة. فيتحملون مسؤوليتهم منذ البداية. سوءا إن باعوا أكياس البلاستيك. أو السيجارة بالتقسيط أو ما يسمى الديطاي فتكون قد صليت على ابنك صلاة الجنازة. لأنه يكون قد ارتمى مبكرا في أمواج الإدمان.. فمن باحث على درهم، إلى باحث على قطعة شوكلاطة لا تأكل. فأسواق مرنيسة مليئة بمشاهد كهذه. أفواج لا تحصي من الأطفال تشتغل في غير سنها. لتكسب قوت يومها. مما يعرضها للمتاهات اللامتناهية، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم ولدوا قسرا في مرنيسة.