وكذلك كانوا

محمد المكاري

لقد اخترت اليوم أن أتغلغل في عمق عادات منطقتنا وتقاليدها ، في رحلة جديدة ، سأميط اللثام فيها عن عادتين مختلفتين ، تميزان منطقة “جبالة” ، العالية بجبالها ، الخلابة بمناظرها ، الساحرة بصفائها وجمالها ، في محاولة مني لإرضاء رغباتكم وانتظاراتكم ، فعسى أن أكون عند حسن ظنكم ، أنتم أيها العشاق الوالهين ، أنتم أيها المتيمون بحبها.. إذا كان الحب زادنا أيها المحبون ، فلنبدأ إذن مغامرتنا ،وليكن غينا بلوغ مرادنا ، بيد أني سأخذكم من طريق طويل ، قد تتعبون فيه قليلا ، وقد يأخذ السفر منكم مأخذه ، لكني متأكد من أنكم ستنسون تعب السفر ، وسأجلي عن عيونكم الوسن ، لأني سأحدثكم عن عادة اسمها “الحوز” ثم سأنتقل بكم للحديث عن عادة اسمها” اللهم أمين”. عادة الحوز:* عادة الحوز هي عادة جبلية أصيلة، قديمة ومتوارثة ، يحتفي بها المغاربة المحسوبين على منطقة جبالة ، أو المنحدرين منها ، مرة كل سنة ، عندما تكون أشجار اللوز مزهرة ، زاهية الألوان ، وتزامنا مع رأس السنة الأمازيغية ، تقام بمناسبتها ، مجموعة من العادات والطقوس والتقاليد ، تختلف تسميتها بحسب اختلاف المناطق وتنوعها ، وهكذا يتم بمناسبتها إرسال هدايا “عوايد” من أسرة العروس المتزوجة حديثا ، إلى أسرة العريس ، إذا كانت العروس قد زفت إلى زوجها خلال تلك السنة ، وغالبا ما تكون هذه الهدايا بسيطة ، عبارة عن” فطائر” أو” مخمرات ” أو “سفنجات” أو خبز.. ترسل إلى أهل الزوج وتوزع على الأقارب والجيران ، كعربون تقدير ومحبة. هذا وتقوم بعض الأسر ، بإعداد وجبة خاصة ، بمناسبة الحوز ، تسمى “حركوزة ” وهي عبارة عن كعكة كبيرة ، تعد من الفول والحمص المقلي ، يكون سطحها مزينا بحبات اللوز في شكل لولبي ، بالإضافة إلى مواد أخرى ، الأمر الذي يعطيها رونقا متميزا ومذاقا ذو طبيعة خاصة . وكتعبير عن الطابع الاجتماعي لهذه العادة ، تعمل النسوة على إعداد مأدبة ، هي عبارة عن طبق الشيشة بتفخيم الشين ( بليلة القمح أو الشعير) ، يدعى إليها سكان المدشر، الكبار منهم والصغار، في .الصباح الباكر، ليأكلوا جميعا ، أو أشتاتا ، بأيديهم مباشرة دون ملعقة أو خبز.. نواصل مغامرتنا إذن بالحديث عن عادة “بْيانُو” ( وأبيانو للإشارة يعني رأس السنة الأمازيغية ) الذي يجتمع فيه الأطفال ، في أمسيات الحوز ، وينتقلون من دار إلى دار ، وهم يرددون: أبيانو دالغابة *** قطعلي جلابة *** لا كرش لا دوراه تم ينتظرون للحظة ، فإن فتح أصحاب المنزل الباب ، وجادوا عليهم ، قالوا: باش تعيْد هد الدار*** بلْحاولي من فوق الدار ويردفون في حق صاحب المنزل: يا فلان يا الشْماعه *** يا قنديل الجماعة وإذا لم يستجيب أهل الدار ، أو ابقوا على الباب موصدا ، أو بخلوا ولم يكرمهم ، فإنهم يهجونهم قائلين: باش تعيْد هد الدار*** بلْكراع د الكدار غير أنه غالبا ما يقدم الناس إليهم ، برتقالا أو لوزا أو خبزا أوتمور وتين.. عادة اللهم أمين:* من المعلوم أن دين أغلب المغاربة هو الإسلام ، وكتابهم هو القرآن الكريم ، لذلك حرصوا على تعليم أبنائهم علوم القرآن وأصول الدين ، في المسيد أو الكُتّاب ، حيث يتولى الشيخ الفقيه تعليم مريديه ، ناقلا إليهم العلوم من الصدر إلى الصدر ، وكما جارت العادة ، دأب” الطُلْبة “على إحياء عادة اسمها ” اللهم أمين ” ، حيث يكونون مجموعة منهم ، يمضون إلى الدور ، ويبدأون في ترديد أدعية ورُقيات ومناجاة مختلفة ، يميزها تكرار عبارة ” اللهم أمين ” ، في حين يعمل أصحاب البيوت على دعوتهم لتناول حليب أو شاي أو قهوة ، فإن وافقوا تبارك الله ، وإن استعصموا أو اعتذروا ، أخذوا بضع بيضات وانصرفوا ، يضعونها في سلة يؤتمن عليها أحدهم ، حتى إذا أقبل الليل ، عادوا إلى المسجد واقتسموا البيض بينهم بالتساوي ، وأعطوا الفقيه نصيبا منه ، وانسحبوا هادئين إلى بيوتهم. إلى هنا ينتهي موضوعي فإلى اللقاء في مغامرة جيدة.