إهانة كبرى

يوسف بخوتة

 

لظروف صعبة أمر بها الآن ارتأيت أن أعيد نشر هذه المقالة

تراهم يحتفون بها في أرقى أشكال الأناقة والجمال. تراهن يزغردن ويغنين ويرقصن محتفلات بها في ليلة عمرها كما تقول ويقلن. الناس في أبهى صورة، إنه عرس بنت فلان تزف الليلة إلى زوجها. ترد أخرى: محظوظة لاقت من يحسن بها.. يأتي الصباح يتأهب الكل لتوديع الغزال كما يسومنها في ذاك اليوم المشؤوم. عفوا الميمون. . يترأى لهم في الأفق أناس أتين على عجلة من أمرهم ليحملون بنتهم كما يقولون دائما في هذه المناسبات.. يأخذون البنت التي ستشكل النقطة المتحولة في مشاهد المسرحية المهزلية التي إسمها العادات.. تدخل الضيفة بيت لم تعهده من قبل، تستقبلها الحماة بابتسامة لم ولن تعرف معناها. حتى وإن استعنت بأخصائيي عمل النفس. تدخل الفتاة التي لازالت محتفى بها ولا زال عندها ما يحتفى به.

قربنا للموضوع لا تمشيو بعيد. العرس لا زال قائما في دارها الجديدة.. في الخارج إخوانها ،أخواتها، أخوالها، أعمامها وكل العائلة. هي في الداخل في المقصلة تنتظر الإعدام لتكتمل الفرحة. ولا تكتمل الفرحة عند أهل الجبل إلا وهم للدم شاهدون. ينتابها قليل من الخوف ممزوج بالفرحة، وتشوش لها الصورة التي رسمتها لها أمها وأخواتها السابقات لها للتجربة.. يطل السياف مرة مرة.. يبتسم.. يخرج.. يعيد الكرة مرة أخرى. الناس بره مشغولون بالاكل وشرب الاتاي مع اشكال الحلوة.. هناك في زاوية الخيمة امرأتان تتغامزان.. رأيناها ذاك اليوم مع أحمد اللي كيبيع الكاسيت.. ترد الأخرى: دابا نشوفو هد الليلة واش فيهاشي ولا غير فروج اللي دبح البارح ؟.. الموسيقى  تتقطع مرة مرة لردأة الأقراص المستعملة والأجرة المقدمة من طرف مولاي السلطان. فكيف يعرف الجودة والمرأة لازالت مدينة له بنصف الصداق، وهو يتلهف للفتك بها غير مراع للخير الذي فعلت فيه.. تخلت عن نصف صداقها مرسلة رسالة مشفرة مفادها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. لم تصرح له أنها غير راغبة في الشوهة أمام أبناء الدوار وبناته. ليس الرحمة بالمعنى القدحي. لكن ارحم عرضك أولا ولا داعي لتقليد الأعمى من أجدادنا الذي تركوا لنا الحماقات. في ماذا ستنفع قطرة حمراء للمشي قدما في الحياة وأنت تعلم أنها ليست بسهلة؟ تحاول أن توضح له بإيماءاتها، لكن هو رأسه كالحجر أو أشد بأسا. يود أن يفتخر بعمله الشنيع أمام اقرأنه من أبناء الدوار، ويحثهم على الإقتداء به.

نعود إلى الأجواء المصاحبة لعملية الإعدام هاته. الموسيقى لازالت على سابق عهدها، وليس للديسكور أية حيلة لإصلاح العطب وستر عورات الناس في الكلام. فمع كل توقف مفاجئ للموسيقى تسمع خبر أو كلام ساقط، لكن ليس هذا الموضوع. المهم هو ما سيسمع في أخر الليل بعد التوقف المفاجئ لهذه الآلة اللعينة التي عوضت الجوق والشيخات.. تشبك الركزة على أنغام موسيقى صاخبة رديئة من الراي الذي غزا السوق المغربية بدون إذن من أحد،حتى أصبحنا نستمع للكلام القبيح مع آباءنا وأولادنا.. يبدأ المنزل في الفراغ إلا من أشخاص فضوليين.. تبقى الغزال مع خوفها وحيدة.. هناك من وضع الغلاي على البوطة تحسبا لأي طارئ قد يحدث.. البنت لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها. عقد بها القران هو ذو الواحدة والثلاثين برشوة ابتدأت من المقدم حتى أعلى مكانة هناك في بهو المحكمة. مستغلا بذلك لغة الأدب  التي كتب به القانون المغربي.. ظهرت معه في الصور التي التقطها البعض في هواتفهم النقالة لغاية في نفس اليوتوب، عفوا يعقوب. كأنها بنته وليست زوجته.. مما زاد الهم همين ، وزاد الطابع السخري حدة.. المنزل فارغ من الناس.. البيت الذي تأوي الغزال موحش.. ترتجف من شدة الخوف.. يطل عليها بابتسامة عريضة أبانت عن الخطأ الذي فعله فيه التبغ الرديء، حياها فردت ترتجف تسأل رحمته. لكنه غير آبه لما تل.. في رمشة عين وجد نفسه يخرج ويمسك بالغلاي الذي كان قد وضع علي البوطة تحسبا…. رأوه الناس يجرج ويدخل عدة مرات.. كثر الحديث وانتشر كالنار في الهشيم.. محمد الفياقة راه مثقف – والمثقف هنا ليس من الثقافة، لكن من الثقاف. ولو كان مثقف ما يطيحش في هذه الشوهة – هكذا.. نودي على فقيه الدوار الذين يشارطوه إلا للموت وللأشياء كهذه. جاء مسرعا بعد أن كان يغوص في نوم عميق.. حل المشكل ودخل مجددا، لكن هذه المرة في ثوب الشجعان.. الموسيقى لا زالت على حالها.. الناس مشدودة إلى الباب.. لم يروا ما جاؤا لأجله.. تنقطع الموسيقى فجأة وبدون سابق انذار، فيسمع ذوي صراخ آت من المكان الذين هم مشدودين إلى بابه. أخيرا تنفس الناس الصعداء.. دازت الامور سالمة. الإخوان رفعوا رؤوسهم المنحنية إذلالا بعد طول انتظار سببها شجاعة الرجل التي خانته في أول اختبار. لا البنت كما كان الناس كلهم يظنون..

قضى مسائله في رمشة عين وأمرها بتقديم الفضيحة للفضيحة أمه لتظهرها للعيان. الآن أحس أنه رجل لأول مرة. لكن للأسف على حساب ضعف المرأة. على حساب كينونتها، كرامتها، عفتها، شيئها الثمين الذي يمرغوه الجهلاء اليوم في التراب.. أتمرت لطلبه.. وضعت أحمرها على بياض كان اشتري لهذا الغرض بالضبط وأعطته مكرهة لحماتها التي دخلت للتو مهرولة.. أطلقت زغردة اهتزت لها جنبات البيت الفارغ إلا من إهانة كبرى  يندي لها الجبين.. أخرجت العجوز المنديل الأبيض برقع الذل والمهانة إلى العيان المتلهفين لرؤية نتائج الاختبار.. انطلقت البنات .. هيا جابتو بعد كحلو به أالعدا. إيه جابت كاس العالم..!!

للأسف، ذل ومهانة لعفة المرأة يعتبروه الناس في هذا القوم المقلوب على والمعجوب ل أمره. امتيازا لا يرقى به الكل. مع العلم أن كل بنات القبيلة لهن نفس ما امتازت به هذه التعيسة لمهانتها هذه الليلة.. وينتظرن ليلة إعدامهن على أحر من جمر. فكيف تتحول بقعة حمراء إلى شرف لدى العائلة؟ سؤال يحتاج إلى قرون للجواب عنه. كيف نمرغ عفة المرأة وكرامتها وكينونتها في التراب لنصنع الحدث؟ إنها والله إهانة كبرى هذه التي تعرفها المرأة في ليلة العمر. أشياء من أسرار الزوجين لا يجب بتاتا أن نشارك الناس فيها. عُوا ما تفعلون أيها الجهلاء. المرأة يجب أن تصان. لا أن تهان.