عذرا غوغاء…كلامي للخواص.

فريق التحرير

وأنا جالس في حديقة المدينة، جاءني طفل صغير اسمه “راغب” طالبا مني أن أحدثه عن أسطورة “تامكاسو”([1]) الغريبة التي وقعت في غابر الزمان بطلها “الرجل الملتحي” و”أطفال الغابة المفترسين”.

     فقلت له: أعفني بني مما يؤرق ذاكرتي أنا  الشيخ العجوز. لكن أمام إلحاحه وتعطشه لسماعها، قررت ألا أحرمه حق السماع.

     وبدأت الكلام: بأن فصول الحكاية التي حدثت فيها الأسطورة كانت في ما مضى من العصور القديمة المظلمة التي تميزت بجهل الناس وطغيان الحكام. تلك الأيام التي عرفت تعدد الآلهة، وصراع البشر…حيث كان:

     الليل أسود !! والرماد يغطي الأرض…النجوم آفلت خلف الغيوم الجافة. كل شيء يهوى التخفي وراء حجاب. حتى الرجال يفضلون احتساء كوب شاي أو قهوة من خلف زجاج المقهى.

     الحقيقة تختفي وراء حجاب الجهل، والقذارة تختفي في ظهر السياسي، وأشياء وأشياء يثقل لساني عن البوح بها لأنها تتلاشى على لسان فقراء العقول. معذبوا الدين والأنبياء، وغنوص الأديان.

     الأمراض تنتشر، والسوس ينخر الأجساد الضعيفة، والوحل يغطي الوجوه، والتموقع في الهامش أصبح أكثر أمنا من التموقع في المركز…الحفر امتلأت والجبال انبسطت، والسهول نهبت، والقرى مدِّنت والمدن أفسدت…أمر محير حقا.

     وأنا أختفي خلف المقال، وحقيقة قولي تختفي خلف السطور لا يفهما إلا من أصيب بخبث الكلام أو سحر الهامش، هما اثنان يتجادلان خلف ستار الخنوع لأن التمرد جحيم، التمرد !! الثورة !! إنها أسوء العادات لأنها مجرد إدمان.

     لذلك لنرقص مع الكلمات المباحة في البلاط السياسي كي لا تصيبنا لعنة الأخلاق، لعنة الشيطان الأحمر المارد الذي لا يظهر على خشبة المسرح…والرجل الملتحي لم يفهم اللعبة المظلمة لأنه أقحم نفسه، وحاول الإمساك بالسراب، وتتبع خيوط الأوهام، وصنع الأمل من خيوط العنكبوت… ويريد عبور مثلث برمودا غير أنه لا يحفظ الدروس والقواعد ولم يسمع بأن المثلث في بحر لا يدخله إلا الشياطين…الرجل الملتحي فرح بمصباحه معتقدا فيه الهادي وفيه المخلص…فظن أن المصباح الذي هداه طريق المسرح ليؤدي أحجيته على الخشبة، هو الذي سيهديه سبيل الخروج.

     يبدو أن الرجل الملتحي أكثر ارتباكا والواقع أن مهنة التمثيل لا يتقنها وليس بارعا بما يكفي، فهو ليس خريج معهد أو ابن ممثل هو فقط وثق في نور مصباحه، واتبعه بلا تقدير…الآن هو يبحث الخلاص وطريق الخروج. والوحل أصبح يغطي جلبابه…المصباح أصبح غير جدير بالثقة…يا له من مسكين اعتقد أن اللعب مع الشياطين حلال.

     فجهله بالقواعد رماه من منبر الحب إلى منبر ساحة المدرسة حيث الأطفال فيه يحبون لعب لعبة الغابة… صراع الأسود وتسابقهم في افتراس البقرة الحلوب. والقاعدة بينهم تنص على امتصاص ثديها بالتناوب دون جرحها أو ترك أثر. فهم لا يريدون التهامها لأنها بالنسبة لهم لعبة جميلة وفيها الراحة والسعادة والنعيم.

     أما الرجل الملتحي حري به أن يرضع معهم منها ويشاركهم حلاوة ولذة اللعب أو يرحل، كي لا تمسه لعنة الشياطين. ومن محيى الأطفال الظرفاء يبدو أنهم كانوا سيشاركونه اللعب، لأنهم بطبيعتهم يتقاسمون الغنيمة اللذيذة شرط ألا يخبر أحدا بالسر… سر البقرة الحلوب، فأصحابها لا يعلمون بحليبها اللذيذ وراعيها يجهل خبث الأطفال وسرهم المكتوم.

     وقبل أن أعرف ما حدث للرجل الملتحي وما حدث له، شاع نور الصباح. فتوجب علي التوقف عن  الصياح والامتثال لقواعد رواة الأقاصيص الذين يكفّون عن الحديث بتجلي نور الصباح.

  بقلم: ســـعــد عــبــدلاوي

فاس في: 03/07/2012



1 ــ تامكاسو: هي تسمية من وحي خيال الكاتب.