الحكومة المغربية تعلن الحرب على اقتصاد الريع..فلمن تكون الغلبة؟

فريق التحرير

 مأخوذ عن: فوزي منصور  من http://www.fawzymansour.com

أنشأت الدولة المغربية ،أو ما يعرف في المغرب ب “المخزن”، اقتصاد الريع لدواعي سياسية، تتمثل في  خلق طبقة مستفيدة منه مساندة للمخزن ، ولا يبدو “المخزن” اليوم معارضا الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية ،ذو المرجعية الدينية، في جهودها لتصفية اقتصاد الريع الذي أقامه..فما سر هذا التغيير؟

مفهوم اقتصاد الريع

يقصد باقتصاد الريع اﻻقتصاد القائم على مصادر دخل غير إنتاجية مثل اقتصاد الدول التي يعتمد كليا على عائدات البترول والغاز التي تنتجهما شركات أجنبية في أراضيها أو تصدير خامات معدنية أخرى ، وتعد إيرادات قناة السويس بالنسبة لمصر مصدر ريعي، وكذلك تعتبر تحويلات العاملين في الخارج بالعملات الحرة، وعائدات اﻷنشطة السياحية من العملات الحرة مصادر ريعية للحكومات. وتعد أيضا إيجارات اﻷراضيوالعقارات بالنسبة لملاكها دخلا ريعيا لهم . ولذا يمكن القول بأن كل دخل للحكومات واﻷفراد يتم الحصول عليه دون بذل مجهودا يعد دخلا ريعيا. ويختلف في ذلك عن الدخل  الناتج عن عمل مبذول في تحقيقه ، مثل الدخل الناتج عن الزراعة والصناعة فيعد دخلا إنتاجيا.

وقد اشتمل البرنامج اﻻنتخابي لحزب العدالة والتنمية على التحول من اقتصاد الريع إلى اﻻقتصاد اﻻنتاجي. وعندما فاز الحزب في اﻻنتخابات وكلف بتشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب أخرى تم ذكر نفس الشيء في البرنامج الحكومي. والمقصود بالتحول عن اقتصاد الريع: هو أن تعتمد الحكومة واﻷفراد في مصادر الدخل على العمل المنتج للثروة وليس على الإيرادات الريعية.

مصادر الريع للأفراد في المغرب

ﻻ تعارض الحكومة المغربية الريع الذي يحصله الأفراد عن ممتلكاتهم الخاصة من عقارات وأراض، والذي يعتبر ريعا مشروعا ، وإنما تعارض الريع المتحصل من مصادر أخرى مثل الناتج عن امتيازات تمنح لبعض اﻷفراد دون سواهم من المواطنين بواسطة الدولة، أو ما يعبر عنه في المغرب بالمخزن. وهو ريع متنوع المصادر، ويتناقض مع ما نص عليه الدستور المغربي والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق اﻹنسان حيث ورد بالدستور المغربي أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميعُ، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بمن فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له.والذي ترتب على وجوده انتشار الفساد في الدولة وعدم المساواة والتفاوت الطبقي وإثراء أفراد وعائلات بدون وجه حق مقابل إفقار عامة الشعب ،وهو ما يعد غير قانوني وغير مشروع أخلاقيا ودينيا،وينتج عنه حرمان الدولة من موارد هامة كان يمكن أن توجه لخدمة المواطنين في التعليم والصحة ومكافحة الفقر والبطالة، ورافق اقتصاد الريع شيوع ثقافة الريع والتي وفقا لها صار اﻷفراد يسعون للحصول على الدخل الريعي طالما ﻻ يبذلون معه أي جهد عوض السعي لزيادة اﻻنتاج في الدولة.وتم إشاعة هذا النوع من الريع وبالتالي الثقافة الناتجة عنه من قبل الدولة منذ فجر اﻻستقلال لدواع سياسية.

ويأتي هذا النوع من الريع في المغرب من المصادر الآتية:

  1. عائدات آلاف الهكتارات من اﻷراضي الزراعية التي منحت الدولة حق اﻻنتفاع بها  لسياسيين وعسكريين متقاعدين دون عقود رسمية ويستغلونها منذ عشرات السنين لحسابهم،  ولا يسددون عنها أي ضرائب ، رغم أن معظمها من أخصب الأراضي و يستأثر بمياه السدود التي أقامتها الدولة بالقرب من مصبات اﻷنهار بقروض أجنبيه أثقل كاهل الدولة سداد أقساطها وفوائدها . وهم في غالب الحالات، ﻻيستغلونها بأنفسهم ،وإنما يؤجرونها للفلاحين ويكتفون بما يحصلون عليه من ايجارات سنوية.

وتم أيضا على ثلاث دفعات في السنوات: 2003و2006و2009 منح أراض زراعية خصبة من طرف شركتي “صوديا” و”سوجيطا” الحكوميتين منح أﻻف الهكتارات بعقود إيجار طويلة المدى لعدد من السياسيين النافذين، بصفقات مباشرة وبدون طلب عروض .
وهذه اﻷراضي هي ما تبقى من الضيعات التي كان يستغلها المعمرون الفرنسيون وتم استرجاعها منهم بعيد اﻻستقلال.

 2. رخص الصيد في أعالي البحار: توقفت الوزارة المعنية بالصيد البحري بأوامر شفوية منذ أكثر من عشر سنوات عن إصدار رخص صيد جديدة للمغاربة.وقال وزير سابق بأنه لم يعرف حتى من أصدرها ولكنه وجد الوزارة ملتزمة بها كما قال لي في مؤتمر صحافي حضرته قبل أكثر من سبع سنوات تقريبا.ويمكن القول بأن الهدف من وقف إصدار التراخيص هو عدم مزاحمة الحاصلين عليها من كبار ضباط القوات المسلحة ومن بعض السياسيين ومراكز القوى. ويقوم الحاصلين على تلك الرخص بتأجيرها لسفن الصيد الأجنبية والحصول على عشرات اﻵلاف من الدوﻻرات كل شهر نتيجة عملية التأجير تلك. وقد نشرت صحيفة أخبار اليوم المغربية أسماء عدد من كبار المستفيدين من تلك الرخص تضم أسماء لكبار القيادات العسكرية واﻷمنية وسياسيين. واتضح مؤخرا أن بعض تلك الرخص تم بيعها لعدد من كبار المستثمرين المحليين بسبب توقف الوزارة المعنية عن إصدار الرخص منذ سنوات طويلة ، وظلوا يستغلونها دون نقل الرخص بأسمائهم.

3. رخص النقل للحافلات الكبيرة الناقلة للركاب بين المدن ويتم تأجير هذه الرخص لمالكي الحافلات تلك بحوالي 30 ألف درهم شهريا.وقد أعلن وزير التجهيز والنقل المنتمي لحزب العدالة والتنمية ﻷول مرة في تاريخ المغرب عن ﻻئحة أولية تتضمن 3681 وأسماء المستفيدين منها ومنهم عدد من السياسيين والميسورين وفيهم من حصل على أكثر من رخصة والكثيرين ﻻ يملكون حافلات لنقل المسافرين . وبسبب ظهور اسم سيدة صحراوية عضو في المكتب السياسي لحزب التقدم و اﻻشتراكية المشارك في الحكومة فقد احتج علنا وزيران من الحزب هما السيدان نبيل بن عبد الله أمين عام الحزب وعبد الواحد سهيل عضو المكتب السياسي على نشر اللائحة وأن النشر تم بدون العرض على مجلس الحكومة وقد رد وزير النقل والتجهيز بأن النشر تم بأمر من رئيس الحكومة وسانده الملك محمد السادس ويعد تطبيقا للدستور وما ورد به من الحق في المعلومة وفي الشفافية والمساواة بين المواطنين.

4. رخص النقل للبضائع بالشاحنات والسيارات نصف نقل ويتم تأجيرها أيضا لمالكي السيارات.

5. رخص النقل للسيارات اﻷجرة الكبيرة والصغيرة التي تعمل داخل المدن ويتم تأجيرهاﻷصحاب تلك السيارات بمعدل 3000 درهم شهريا.

6. رخص مقالع الرمال في سواحل المحيط وفي المواقع التي يقذف فيها البحر بكميات هائلة يوميا من الرمال يوميا.

7. مرتبات الموظفين اﻷشباح: تحدثت الصحف عن وجود آﻻف الوظائف تم شغلها من قبل أشخاص في الوزارات والمجالس البلدية والقروية دون حاجة العمل إليهم ودون تسليمهم بالتالي أية مسؤولية وترتبط علاقتهم بجهة عملهم في صرف مرتباتهم في نهاية كل شهر أو تحويلها لحساباتهم.ومن هذه الحالات زوجات لبعض المسئولين تم تعيينهن ويستلمن رواتبهن في نهاية كل شهر دون اﻻلتحاق بعملهن. ومن الحالات في وزارة التعليم أشخاص تم تحويلهم من عملهم في المدارس إلى أعمال إدارية في الوزارة والإدارات التابعة إليها دون حاجة فقلية لهم فتحولوا إلى موظفين أشباح. وحين كانت توجد وزارة باسم وزارة التعليم الثانوي والتقني مورست ضغوط على الوزير لتعيين سياسي كان يعمل رئيس اتحاد كتاب المغرب لتعيينه في الوزارة فعين مدرسا للفنون الشعبية دون أن تكون تلك الفنون الشعبية تدرس في أي من المدارس وعندما وجد أن عمره يتجاوز العمر المسموح به قانونا للتعيين بعامين ، تم تعيينه بأثر رجعي سنتين، وهو ما ترتب عليه صرف مرتباته عنهما أيضا، وأثيرت تلك الواقعة في الصحف المحلية قبل عشر سنوات في حينها.

8. استغلال النفوذ والوظائف للإثراء عن طريق اﻻرتشاء. فمما يجرى تداوله أن بعض العاملين في القضاء والجمارك والأمن يدفعون مبالغ كبيرة لرؤسائهم لكي يتم نقلهم إلى منطقة الشمال التي تعرف نشاطا في تهريب المخدرات التي تزرع فيه وتهريب السلع من مدينتي سبته ومليلية المحتلتين من قبل أسبانيا.

9.الدعم للجمعيات المدنية: يوجد في المغرب حوالي أربعين ألف جمعية مدنية مرخص لها، ﻻيؤدي منها الخدمات المنصوص عليها في نظامها اﻷساسي سوى أقل من مائة جمعية والباقي ليس لها أية أنشطة والعديد منها يحصل على دعم من المجالس المحلية والقروية والقليل منها يحصل على مبالغ كبيرة من الحكومة والمؤسسات الدولية والوزارات أو يتم جمع تبرعات لها في حملات يروجها اﻹعلام الرسمي دون أن تخضع حساباتها ﻷية مراجعة أو تدقيق للتأكد من كيفية صرف ما يصرف لها. والسائد اﻵن بأن تمويل معظم هذه الجمعيات يعد بمثابة ريع للقائمين عليها ﻻ يقابله عمل من قبلهم فيها.

كما تدعم الدولة عن طريق وزارة الداخلية اﻷحزاب السياسية دون إخضاعها في الغالب للمحاسبة ولو أنه في السنوات اﻷخيرة تم ربط الدعم المالي للأحزاب السياسية بمعايير تتعلق بعدد المرشحين منها في اﻻنتخابات وعدد المقاعد التي فازوا بها ويتم بالتالي صرف الدعم على مراحل مع تقدم العملية اﻻنتخابية.وكان الدعم الحكومي يصرف لرئيس الحزب مباشرة والذي بدوره يدفعه إلى حسابه المصرفي وينفق منه على اﻷنشطة الحزبية.وتم في العديد من الحالات شراء مقار الحزب باسم أمينه العام من مبالغ الدعم المسلمة إليه.ولم تكن المبالغ التي تسلم للأحزاب من قبل تخضع ﻷية معايير سوى ما تقدره وزارة الداخلية وعلاقتها برئيس الحزب و ما تعول عليه من خدمات يقدمها. وعندما حاول بعض الناشطين في أحد اﻷحزاب السياسية محاسبة أمين عام الحزب على أموال الدعم التي تسلمها كان جوابه عليهم هو : من دفع من جيبه درهما للحزب يحاسبني عليه.

10. ريع الوظائف في المؤسسات العامة: يوجد بالدولة عدد كبير من المؤسسات العامة مستقلة في ميزانياتها وإدارتها عن الحكومة ويشارك في مجالس إدارتها بعض الوزراء بالصفة ويتم التعيين في وظائفها بمرتبات تزيد كثيرا عن مرتبات نظراء العاملين بها من حيث المؤهلات والخبرات والمهام الموكولة إليهم في الجهاز الحكومي وفي القطاع الخاص أيضا، ولذا فإن الزيادة في هذه المرتبات تعد بمثابة ريع وظيفي أيضا حيث ﻻ يوجد أي مبرر لها.

11.ريع اﻻحتكارات: تحتكر بعض المؤسسات أنشطة اقتصادية أو توريد لسلع معينة أو خدمات مما يسمح لها بتحديد سعر للسلعة أو الخدمة بما يزيد فائض القيمة فيها عما لو كانت تلك السلع والخدمات تقدم في أطار من المنافسة الحرة.ومن أبرز تلك اﻻحتكارات شركة التبغ التي تحتكر استيراد السجائر اﻷجنبية وتوزيعها بالداخل وعندما بيعت لشركة أسبانية تم تحويل ذلك اﻻحتكار لها ، وبرر بأنه مؤقت ولكن المؤقت صار دائما حتى اليوم. وأثير أيضا مؤخرا احتكار أفراد لسوق اﻹشهار واﻹعلان في اللوحات اﻹشهارية بالمدن المغربية. كما نتج عن احتكار توريد اﻷدوية أن صارت اﻷدوية الفرنسية المعبأة بالمغرب تباع بضعف ثمنها التي تباع به في فرنسا..واﻷمثلة في هذا المجال كثيرة.

12.رخص المشروبات الكحولية: وتشمل رخص البيع بالجملة وبالتجزئة للخمور داخل المغرب والتي تصدرها وزارة الفلاحة وتتم الموافقة عليها من عامل اﻹقليم “يقابله المحافظ في مصر”بالنسبة لمتاجر البيع بالجملة وأما متاجر البيع بالتجزئة وكذلك المطاعم والفنادق فيتم الترخيص لها من العامل مباشرة وﻻ تتبع في منح الرخص الضوابط القانونية ومنها عدم فتح تلك المحال في اﻷحياء التي ﻻ يقطنها سوى المسلمون وﻻ يوجد بها أجانب. وفي الواقع فإن الغالبية العظمي من مستهلكي الخمور هم من المواطنين المغاربة المسلمين.ويتم استغلال النفوذ أيضا في منح تلك الرخص التي تظل دواعي منحها ﻷناس دون غيرهم غامضة وﻻ تتسم بالشفافية.

13. دعم اﻷنشطة الثقافية والفنية: يتم تقديم دعم مادي لمنتجي اﻷشرطة السينمائية من قبل المركز السينمائي بينا يتم دعم اﻷعمال المسرحية واﻷنشطة الثقافية اﻷخرى عن طريق وزارة الثقافة ، ويتم ذلك عن طريق لجان يتم تشكيلها لهذا الغرض وتحول الدعم بمرور الوقت مصدرا من مصادر الريع حيث وجه كثيرا ﻷعمال تافهة ﻻ تتوفر فيها المعايير الفنية والثقافية وقد يتم اﻻستيلاء على الدعم دون إنجاز العمل ، أو إنفاق مبلغ الدعم بكاملة على أنتاجه. وتشكلت ما يشبه المافيات للاستيلاء عليه ويعتبر تدهور اﻷعمال الفنية ناتجا عن سياسة الدعم تلك.

15.الحصول على الصفقات باﻷمر المباشر وخصخصة ممتلكات الدولة: كان العديد من الصفقات الكبرى يتم إسنادها لمؤسسات خاصة باﻷمر المباشر دون عرضها في مناقصات أو مزايدات تحقق التنافسية وتضمن الحصول على أسعار أقل في المناقصات أو سعر أفضل في المزايدات الحكومية وكان هذا يتسبب في أهدار المال العام ويعد مصدرا من مصادر الريع للمستفيدين منه والوسطاء أيضا في عملية الترسية عليهم تلك الصفقات.

16. اﻹعفاءات الضريبية لغير مستحقيها: حصلت مؤسسات اقتصادية على إعفاءات ضرورية بدون وجه حق مما أشاع على خزينة الدولة مبالغ هامة تقدر بتسعة عشر مليار درهم.

تعددت أذن سبل الحصول على الريع والريع واحد، وساهمت جميعها في عدم تطور اﻻقتصاد المغربي .وأغلبها والمتمثل في منح التراخيص أو ما يمس في المغرب بالكريمات يضرب مبادئ المساواة والشفافية والتنافسية الشريفة في الصميم وقدر رئيس مجلس المنافسة خسارة الدولة من الريع غير المشروع ب بعشرين مليار دولار عام 2008.فضلا عن دورها في إشاعة الفساد في أجهزة الدولة والتي لم يسلم أي منها من التلوث به بما في ذلك الجهاز القضائي المنوط به تحقيق العدالة والذي يجري الحديث عن إصلاحه وضمان نزاهته واستقلاليته على مدى العقدين الماضيين ومازال مستمرا.

خطة الحكومة في القضاء على اقتصاد الريع

تعلم الحكومة وخاصة حزب العدالة والتنمية الذي يقودها بأن سيادة اقتصاد الريع تم بتخطيط من اﻻدارة المخزنية، أي الدولة، ﻷسباب سياسية ، وأن عدد المستفيدين منه كبير للغاية، وإن العبرة لم تعد في الكم وإنما في النفوذ والقدرة على التأثير الناتج عن سطوة المال الذي صاروا يتوفرون عليه من استغلال الرخص الممنوحة لهم وحرمان هؤﻻء من مصادر الدخل تلك ستحولهم إلى قوى مقاومة عنيدة وأعداء محتملين للحزب في مناطق نفوذهم وتأثيرهم وفي دولة مازال 50 في المائة من السكان يعانون من الفقر ومن اﻷمية.ولذا يشعر الحزب بأنه لو نفذ كل ما سبق له أن تعهد به فسيدخل حقل ألغام لن يسلم من أضرار فادحة قد تلحق به، وهذا ما يدعوه حاليا اﻻلتزام بالحذر والعمل على التخلص من اقتصاد الريع تدريجيا ودون أن يثير حفيظة مراكز القوى تلك المنتفعة من الريع.

ويبدو ذلك من تصريحات وزير التجهيز والنقل الذي أعلن وحده عن ﻻئحة تراخيص سيارات نقل المسافرين بأنه لن يضيع الوقت في الحفر في الماضي وأنه سيكرس جهده على المستقبل وبحيث يتم منح الرخص في ظل الشفافية والتنافسية العادلة وبموجب ما يعرف في المغرب بدفتر التحميلات ويقصد به بيان اﻻلتزامات ، وأنه سيتبع ذلك أيضا بالنسبة لتراخيص مقالع الرمال والذي سيعلن ﻻئحة المستفيدين بها قريبا. وفي نفس الوقت لم يعلن وزير الفلاحة الذي ﻻ ينتمي لحزب العدالة والتنمية عن ﻻئحة المستفيدين برخص الصيد في أعالي البحار أو ﻻئحة المستفيدين من توزيع اﻷراضي الفلاحية عليهم وكان قد امتنع عن التصريح بأسماء الحاصلين على الرخص عندما كان وزيرا للفلاحة في الوزارة من قبل وطالبة البرلمانيون بها. كما لم يعلن بدوره وزير الداخلية عن الرخص الممنوحة لسيارات اﻹجرة”التاكسيات”، وصرح وزير في الحكومة في برنامج تلفزي بأنه علم بأن شخص ما حصل على 50 رخصة في أكادر.

وتحرص الحكومة الحالية على العمل على تصفية الريع على المدى الطويل وليس خلال تلك الدورة البرلمانية الحالية وحدها للحد من تلك المقاومة المحتملة.وهي تحاول حاليا العمل على أن يترتب على إشاعة الشفافية والتنافسية وتقنين وضع الرخص حاليا ومنحها لمستحقيها مستقبلا أن يزيد ذلك من شعبيتها ونجاحها في أدارة الشأن العام مع تقادي أية أضرار محتملة ناتجة عنه. وبدون حاجة لسحب الرخص الحالية أو إلغائها فإن صرف رخص جديدة لمن يستحقونها ويستغلونها مباشرة وفق قواعد جديدة ، ستجعل هؤﻻء المستفيدين الجدد في غير حاجة مستقبلا لكراء الرخص القديمة ممن هي في حيازتهم ، وتجبر من لديهم رخص لسيارات مثلا دون أن يكون لديهم سيارات أن يبادروا إلى اقتناء سيارات وتشغيلها بالرخص التي بين أيديهم عندما ﻻ يجدون من يطلبها مما يعزز قطاع الخدمات.

انقلاب الإدارة المخزنية على اقتصاد الريع

لم يصدر عن وزارة الداخلية التي تشكل قوام ما يعرف باﻻدارة المخزنية في المغرب ما يعتبر موقف معارض ﻻقتصاد الريع الذي تعتبر المنتج له من قبل ، كما كشفت الحكومة ممثلة في رئيسها بأن سياسة الحكومة في هذا الشأن تحظى بدعم الملك محمد السادس.

هذا التغيير في موقف المخزن يمكن تفسيره بقناعة قد تكون تولدت لديه بعد فوز حزب العدالة والتنمية في اﻻنتخابات بنتائج لم يكن يتوقعها، بأن سياسة اقتصاد الريع التي كان هدفها التحكم في اﻷوضاع السياسية بالبلاد، لم تعد مجدية ،ولم تمنع حزب العدالة والتنمية من الفوز رغم كل الجهود التي قام بها المخزن لتحجيمه خلال السنوات السابقة. وكان من هذه الجهود التي لم تفلح تأسيس حزب” الأصالة والمعاصرة “بواسطة كاتب الدولة السابق في الداخلية السيد/فؤاد على الهمة، والذي تم تعيينه بعد فوز حزب العدالة والتنمية في اﻻنتخابات مستشارا في الديوان الملكي . وهو ما يعني أن اقتصاد الريع فقد جدواه السياسية وصار ورقة غير صالحة للعب به أو أن المستفيدين من الريع تفرغوا لتحقيق مصالحهم منه ولم يساندوا سياسة المخزن كما كان يتوقع.

ولعل المخزن يرى اﻵن بأن قيام الحكومة الحالية باتخاذ إجراءات لتصفية الريع من شأنه أن يحرك ضدها المستفيدين منه انتقاما منها لحرمانهم من تلك المكاسب الريعية التي كانوا يتمتعون بها ويزدادون ثراء ونفوذا بينما تزداد غالبية الشعب فقرا وتعاسة ، وهذه الحرب المحتمل أن يشنها هؤلاء ضد حزب العدالة والتنمية للحيلولة دون انتخابه مرة أخرى ستصب في صالح تحقيق أهداف  السياسة المخزنية في نهاية اﻷمر والمتمثلة في أبعاد الحزب عن المشاركة في الحكم. وهو ما يبدو قد انتبه إليه حكماء حزب العدالة والتنمية واحتاطوا لعدم السقوط في ذلك الفخ.

   من