يتداخل الكلام مع الكلام

فريق التحرير

يتداخل الكلام مع الكلام، ويسقط الشجر في الشجر، وتندا على الجبال الريفية والجبلية معانقة بعضها البعض، لتذوق دموعا من ترابها، غزاها الزمن هي هذه المناطق وسقطت عليها الأمطار والثلوج لتغسل عنها كل نتانتها، وفي العمق وبين فجاج الجبال تسكن أمة، لها حقها من نصيب هذا البلد ومن رزقه الذي لا يصلها منه غير الفتات، وعلى غنمة الوضع هنا والآن، وعلى شساعة البلد، وببركاته يقف الجبلي شامخا في وجه كل الجوائح والرياح والعواصف التي تجتاح المنطقة من حين لأخر.
فلا يسع أحد غريبا أو من أهل المنطقة دخل هناك إلا وأحس بتأثير هواء جديد يتسلل إلى شرياته، فيكتشف أن الحياة هي الحياة، وأن الموت هنا شرف لكل ضيف وطئت قدمه المجال الجبلي، إنها جميلة بقدر العروس في ليلة زفافها وحسناء بقدر الأميرة ممتطية صهوة جوادها، قريتي هذه تحملت عبئ منا ما لم تستطع قرية تحمله، وتملك جوا لا تسعفك الأيام أن تتنشق نسمات مثل الذي يرسله، فهي العنقاء في جبل تجبل وترمل، وتاه، وتزين، وتمرد وعيل صبره من التهميش والقهر والتسلط والغبن وفي التاريخ لأهل بلده ما يدفع عنه كل بلاء وفي التاريخ قوة يملكها الناس مهما طالها النسيان، ولعلك باخع نفسك إلى ربك.
وأنت داخل إلى مدينة طهر السوق المنفتحة على شمال الوطن، وعلى تخوم الجبال تحملك الأزمان على أن تتذكر التاريخ برمته، تاريخ المقاومة والصمود في وجه ناهمي البلد والذين غدروا به، تتذكر أن الرصاص كان يتطاير في أرجاء المكان ها هنا وها هناك، وما بين المنطقة التي نتحدث عنها وأخرى وقعت حرب حامية كان أبطالها رجال ونساء نسيهم التاريخ مضمرا لهم شيئا ما في نفس أصحاب الدار.
تتراقص الأيام هنا وهناك مخلفة خلفها تمتمات ترتسم على شفاه أهل بلدي، فجرا خضم لم تلتئو بعد فمن عينوا مسؤولين على القطر لا هم لهم إلا جمع ما تيسر وتسييد السلطة وقهر الناس وهكذا ضاع حق الناس وبرزت كل أنواع التهميش والاضطهاد والتلاعب بخيرات المنطقة.
لكن لا صوت يصدح في سماء الجبلي غير صوت الحرية والأمل في مستقبل أفضل وغد مفرح فمهما هوجموا ظلوا شامخين يرددون قول الشاعر:
رغم الداء والأعداء ســــــــــــــــــــــــــــأظل       كالنسر فوق القمة الشمـــــــــــــــــــــــاء
إنك الآن على تخوم الريف وأنا أحاول أن أدخلك المنطقة وأعرض عليك صورتها من خلال الكلمات فلعل أبلغ من الصورة ها هنا، فصورة المنطقة إن أطلت عليها تفرحك وتحزنك في آن فهي برزخ بفعلي حب الوطن وتاريخ الأجداد وتحاول تأسيس واقع جديد عبر امتداد شعلة الآباء في الأبناء، فالناس هنا دفعوا بأبنائهم إلى المدرسة رغم شراسة الطبيعة التي تحول بينهم وبين التعليم لكنهم صامدون، فهم يذهبون إلى المدرسة في الصباح كمن يتجه إلى جبهات الحرب والقتال ويعودون في المساء منتشين بنصر حققوه في تحصيل المعرفة وما بين صباحهم ومسائهم هنالك تفاصيل أخرى لحياتهم على ضفاف النصر أو على أكداس الرمل والتراب أو بين أشجار التين والزيتون فلك أن تقول وتفصح عن كل ما يخالجك لزملائك حين ذاك ولا تكن حذرا واقرأ  وامرح فالمكان آمن، لا صوت يعلو فيه فوق صوت الأمان.
السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ولكن الأرض تنبث نباتا طيبا، وفي هذه القرية التي تزخر بالخيرات وتفيض بالمميزات تتفوق فيها نسبة المهاجرين على نسبة الباقين لا لشيء سوى أن شبابها تأكدوا وعلموا أن خيرهم يأكله غيرهم ونتمنى من الله أن تكون هذه الخطوة بمثابة الإرهاصات الأولى لعودة الأبناء، وإعادة النظر في كل السياسات العوجاء التي أزمت وضعية المنطقة واستنزفت خيراتها وهربت طاقاتها أن تعيد النظر في كل ما صدر هنا، ولن يحتاجوا إلى كثير عناء فما يوجد هناك لو علم الناس كيفية تسخيره في بناء اقتصاد قوي يعود بالنفع على المنطقة وكافة مناطق المملكة لزالت الغيوم الملبدة في سماء هذا الوطن ومعروف أن إقامة وحدة إنتاجية للزيتون هناك ستشغل الكثير من العاطلين إضافة إلى إقامة وحدة إنتاجية للتين يكفي لزرع الأمل والطموح من جديد في نفوس أبناء المنطقة.

وحتى لا تترك تحتضر تحت ضربات التفقير التي كشفت وبانت الآن، هذا تذكير وفقط، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، ولعلك باضع نفسك على آثرهم، فلا تتردد أيها الشاب أيتها الشابة في نصرة منطقتك التي تحتاج إليك ومن هذا المنبر تحية لأهل المنطقة ولكل أناسها شبابها وشبابها، رجالها ونسائها فلنبدأ من جديد.