***عبد السلام الراضي*** من ابناء مرنيسة الأبية …..نوستالجيا

نجيب الراس

 ———————– عبد السلام الراضي ——————— من بلاد جبالة … ومن المنطقة المسماة “مرنيسة” التابعة لإقليم تاونات.. خرج الغزال ذو الرئتين غير العاديتين تماما .. في زمن العشرينيات من القرن الماضي.. خرج كما باقي أطفال هذه المنطقة النائية المعزولة.. راعيا أمينا مهووسا بسباق قطعانه من الماشية وحريصا عليها من الذئب الغادر.. طفلا عاري القدمين يتسلق الجبال ويصعد أعلى الأشجار بخفة متناهية لفتت انتباه الصغار قبل الكبار.. طبعا لم يكن من الممكن مطلقا أن يفجر الإنسان، كيفما كان، طاقاته في ظل واقع مزري وميئوس منه مثل الذي عاش في كنفه هذا الغزال… لذلك، كانت الهجرة نحو المدينة ـ على غرار الهجرة القروية الكثيفة أيامئذ ـ خلاصا حقيقيا وفتحة ضوء في جدار ظلام حالك .. ربما سمحت له بأن يعتزل الرعي ويجد وقتا للركض ولعب كرة القدم أو شيئا من هذا القبيل.. لكن ليس هناك شك في أن واقع المدن المغربية في ذلك الزمن لم يكن أفضل بكثير من بواديه.. فالفقر واحد وإن تعددت أشكاله وتفاوتت درجاته. لكن، كما قيل ويقال فإن “مصائب قوم عند قوم فوائد”، إذ أن الحربين العالميتين نجم عنهما دمار شامل بأوربا على مستوى الإنسان ومحيطه، الشيء الذي فرض على الأوربيين الاهتداء إلى فكرة جهنمية تمثلت في الاستعانة بأبناء المستعمرات، كما حصل لفرنسا بالنسبة للمغاربة والجزائريين وباقي الأفارقة، لأجل تجنيدهم في صفوف قواتها المحاربة المهترئة.. فاستفادت من فتوة هؤلاء المحاربين الذين جاءوا من الجبال والصحاري ليستخدموهم كدروع بشرية كما ثبت في بعض الأحيان.. بيد أن كل ذلك، لم يمنع العديد من هؤلاء المحاربين الأفريقيين الأشاوس من التألق وإثبات الذات في مجالات عديدة، أبرزها المجال الرياضي.. وكان من بين هؤلاء، هذا الغزال الذي سماه أبواه ذات ظهيرة “عبد السلام ” تيمنا بالقطب الصوفي سيدي عبد السلام بن مشيش.. فمن داخل عالم الجندية أثبت أنه عداء، من الطراز العالي، لا يقهر.. فلا أحد من الجنود “الفرنسيين” من كافة أرجاء المعمور كان يستطيع أن يجاريه في إيقاعه الذي لا ينزل في المسافات الطويلة مهما بلغ طولها.. وكل الذين ركضوا إلى جنبه اعترفوا بأنه كان عبارة عن “محرك” حقيقي تزيد سرعته مع تزايد المسافات.. فهو لا يتعب أبدا، بل كلما كانت المسافة أطول كلما أحس بالارتياح أكثر.. فكان أن ترصدته الأعين التقنية الفرنسية ذات التكوين العسكري والرياضي الرفيع، لتختاره كأحد العدائين “الفرنسيين” لتمثيل فرنسا ليس في التظاهرات الرياضية الداخلية فحسب، وإنما في كافة الملتقيات الرياضية الدولية يومئذ.. وكان أن رفع ـ رغم أنفه ـ علم فرنسا عاليا بين سائر الأمم، لا سيما وأن وطنه الأصل/المغرب يومئذ كان ما يزال تحت الحماية والوصاية الفرنسية ولم يستقل بعد.. غير أنه، وبمجرد أن أعلن عن استقلال المغرب، انتاب هذا الغزال الحنين إلى عشه/موطنه الأصلي.. وأصر ـ رغم كافة الإغراءات المادية آنئذ ـ ألا يكون إلا مغربيا.. وجاء قراره حاسما: “لن أرفع راية فرنسا خفاقة في السماء بعد اليوم.. وأجدر بي أن أفعل ذلك براية وطني الأم”.. وكانت نتيجة هذا القرار الشجاع معروفة مسبقا، حيث حاول الفرنسيون تهميشه وتمريغ وجهه في التراب، خاصة وأن الأمر بالنسبة إليهم أشبه ما يكون بالخيانة.. لكن “الراضي” الأمين كان يرى الخيانة الحقيقية في نسيان هويته المغربية وابتعاده عن جذوره الإسلامية.. والحال أنه، تحدى الجميع وتجاوز كل العراقيل التي وضعها الفرنسيون في طريقه انتقاما منه، واستطاع أن يسجل نفسه ب”صفته المغربية” ضمن قائمة العدائين المشاركين في أولمبياد روما سنة 1960 صنف الماراطون.. فتوجه إلى روما وحيدا من غير أي إطار تقني أو مدرب.. ومن غير أي تكتيك أو استراتيجية.. فأخذ مكانه بين عدائي الكون وأعطيت انطلاقة سباق الماراطون.. وبدأ يركض من غير أن يتعب.. لم يكن يدري الزمان والمكان والخطة التي من المفروض أن يدركها ويدرسها جيدا.. راقته شوارع روما الواسعة ومعالمها المعمارية وتماثيل كبار فنانيها .. كان يركض ويملي نظره .. لم يكن الفوز بالسباق هما حقيقيا أو هدفا مرسوما لديه.. وكانت النتيجة النهائية دخوله إلى خط الوصول ثانيا في الترتيب، حيث تجاوزه العداء الكيني “أبيب بكيلا”.. فأحس الفرنسيون يومها بنوع من الندم الممزوج بالشماتة.. إذ أتوه قائلين: “لو شاركت تحت راية فرنسا.. كنت ستأتي الأول في الترتيب”..وكان جوابه حاسما: “تشريف بلدي أهم عندي من أي ترتيب”.. ربما كان الغزال يعتقد أن قراره الجريء سيجازى عليه من طرف وطنه باحتضانه وتقديره.. لكنه، ويا للأسف، لم يلاق سوى الجفاء والجحود من أبناء جلدته أو مسؤولي بلده الأم على الأرجح.. ولم يلتفت إليه أحد.. حتى كاد يندم على القرار الذي اتخذه في حياته..لا سيما بعد أن رحب به الكثير من المسؤولين الفرنسيين، دع عنك معجبيه من المواطنين الفرنسيين، الذين تعاطفوا معه ووظفوه مستخدما في إحدى الشركات الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية بعد إنهائه ل “الخدمة العسكرية”.. إلى أن حصل على التقاعد من هذه الوظيفة وعاد أدراجه للمغرب من جديد.. ليجد نفسه عاطلا هرما لا يقوى على شيء.. ويا لحسن الصدف..! فقد وجد هذه المرة من المسؤولين من يعترف به ويكرمه ولو رمزيا.. ولم يكن هذا المسؤول غير ابن منطقته “الضريف” الذي كان عاملا على إقليم فاس يومها.. عندما وظفه ك “عون/ شاوش” في ديوانه.. وظل على تلك الحال “شاوش” وليس بطلا من فضة على الأقل.. إلى أن جاءه الخبر الذي قيل أنه أسعده طوال الأيام التي كانت قد تبقت له.. جاء الخبر من مكان اسمه “طنجة العالية” ومن شخص لم يكشف عن اسمه إلى يومنا هذا.. لكن الأكيد أنه ينتمي إلى هذه المساحة الجغرافية المحددة في “جبال الريف”.. فقد أبى هذا الشخص إلا أن يبعث به للديار المقدسة والحج على نفقته الخاصة.. وقيل أنه لما تأكد من قول ذلك المحسن المعجب ولمس فيه الصدق… بكى الغزال طويلا من شدة وقع الخبر على نفسه.. وغمرته سعادة عارمة واعتزاز كبير بأبناء وطنه.. وشعر يومها كم كان “قراره الشجاع” صائبا حينما انحاز لوطنه ورفض العدو بغير علم بلاده الأصل.. كانت هذه الالتفاتة البسيطة من هذا المواطن المحب والمعجب كافية لتجعل “غزالنا” يبتسم في وجه العالم وتعود الطراوة إلى بدنه ويحس بالفخر والاعتزاز. أما دولته فلم تتذكر اسم “عبد السلام الراضي” إلا سنة 1984 في الألعاب الأولمبية ب”لوس أنجلس” بالولايات المتحدة، حينما نبه المسؤولون المغاربة من طرف الأجانب إلى أنه كان من المفترض أن يكون عداء مغربي اسمه “عبد السلام الراضي” هو الحامل للعلم المغربي في يوم افتتاح الأولمبياد.. لكن هؤلاء أخبروا أولائك أن الاسم المتحدث عنه غير موجود (ما يفيد أنه توفي).. في الوقت الذي هم في الواقع لا يعرفونه مطلقا وتجاهلوا كنزا غاليا كان سيفيدهم في إضافته إلى سجلهم الرياضي/التاريخي الفارغ في هذا الميدان.. إلى أن نبههم أحد ما إلى أنه ما يزال حيا يرزق.. وهو لا يزال يجول ويصول في دروب مدينة فاس العتيقة … ولم يستفق مسؤولونا من سباتهم حتى “فات الفوت” كما يقال، بحيث حظي ـ خلال أيامه الأخيرة ـ بنوع من التكريم الرمزي على الأقل من لدن هيئات وفعاليات رياضية بمدينة فاس.. وأطلقت وزارة الشبيبة والرياضية اسمه على الملتقى السنوي للعدو الريفي الذي يؤطره العداء السابق خالد السكاح.. إلى أن توفي سنة 2005 عن سن تقارب الثمانين. لم يتداول اسم عبد السلام الراضي بشكل واضح على مستوى الساحة الإعلامية الوطنية، إلا عشية فوز البطل المغربي جواد غريب بفضية سباق الماراطون في أولمبياد بيكين 2008، حين صرح لكل وسائل الإعلام الدولية بأنه أعاد إنجاز مواطنه السابق عبد السلام الراضي الذي كان قد فاز في أولمبياد روما 1960، مهديا فوزه لروحه. لكن وحتى لا نكون من الجاحدين، لا بد أن نذكر بالبطل الأسطورة سعيد عويطة الذي لم يدخر جهدا لإبراز قيمة عداء من طينة الراضي، وحينما أصبح محللا تقنيا وفنيا لقناة الجزيرة عرف به على أوسع نطاق لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتعليق على سباق المسافات الطويلة والماراطون على وجه الخصوص. أمام كل هذا… نريد أن نهمس في أذن مسؤولينا (على صعيد جهتنا على الأقل): ألا يستحق هذا البطل تكريما ـ وهو الراقد في نومته الأبدية ـ بتنظيم ملتقى جهوي لألعاب القوى يحمل اسم “عبد السلام الراضي: غزال جبالة” كي يتعرف عليه الجيل الجديد وكذا الأجيال المقبلة بقلم : سعيد الغزواني ….بتصرف