مادة إشهارية

فريق التحرير

  بقلم: الخمسي خليد.

     استيقظت على صوت صفير العاصفة، عاصفة الضباب الممتد من هاديس إلى ظلام منفاي الذي يقدسه أهله القاطنين، وفي نفسي فكرة الذهاب إلى المقهى، موعدي السرمدي مع حبيبتي قهوة الصباح وسيجارتي الرديئة علني أتصيد أفكارا يبوح بها نسيم الصباح لمتعبديه،  وأنا أتابع أحلامي الوردية في ذلك الصباح متجها نحو  أقرب صنبور ماء كي أغسل وجهي  وأعلن انتمائي لمملكة السائرين على أنقاض أحلام الأمس ، أحسست بصفعة  ماء “تيغيرت ” البارد التي ربطت عقلي الهارب بجسدي الذي يئن تحث وطئ البؤس الوجودي ، أو لنقل العتمة الجغرافية المتشحة بالبرد، وكم كان سخيا وكريما معي ذلك الصباح ” ماء تغيرت المقدس” الذي يأتي من هناك من مكان لا يعرفه غير الموظف المكلف بصب أطنان الجافيل ومساحيق مكياج المياه العجوزة والعابسة، وحتى لا أقول الميتة لأنها ترقد في توابيث من إسمنت إسمها الأمازيغي ” المطفية* ” لا يطل عليها غير صاحبنا الموظف، و بعض الأطفال حينما يرغبون في الإحساس بنشوة التبول في الماء، وبعض اليائسين من الكلاب والسناجب..التي يئست من الحياة ورغبت في الانتحار غرقا، وصدقوني لو رغبت في الإحساس بالشبع، اشرب ماء تغيرت فهو شبيه بسيروم المرضى، وبدون ميكروسكوب إلكتروني، أو تحليلا للماء في المختبر، اتركه في كأس ليومين وسترى فيه خلايا بروتينية متحللة وبعض “الأشياء ” الأخرى المتطفلة التي لم تحترم حدود عالمها، وإن أردت أن تعرف ذلك اسأل عن عدد الكلاب والسناجب المفقودة..إن ماء تغيرت شبيه باللامتناهي الذي تحدث عنه الفيلسوف اليوناني أنكسيماندرس وقال إنه أصل الكون، كيف لا وهو يضم جزيئات لا حصر لها من كل شيء. في ” تيغيرت Tiright ” أستيقض كل صباح على نفس الحلم والأمل غير أن عاطفة تغيرت القاسية لا تترهل ولا تنساب، ودائما ما يخبرني صوت العاصفة همسا ” ألم أقل لك أن ترتدي كل أقمشتك. أنظر لم ترتدي جوربك الرابع وتشتم قساوتي….إلخ إلخ “.  ” جوربي الرابع، إن أجري الهزيل لا يسمح لي إلا بجوربين ”  أجيبها بسخرية توحي أني تحث جبروتها حتى لا أقول رحمتها، ألعن إبريقي المتسخ وكل الأواني التي أحتاجها لتحضير وجبة الإفطار..وطبعا من كان سببا في وجودي هنا، فكرت كثيرا في خطط لا حصر لها عن كيف أقوم بإحضار فطوري دون لمس جحيم ماء صباح تغيرت القاسي، وفجأة قررت أن أتناول ” ماء تغيرت ” على الأقل فيه بروتينات تكفي بقاء جسدي إلى حدود معينة، لأنه من الأفضل أن تخفي برودته في الداخل، على أن تحس بنبض الوجود يتوقف بالبرد في يديك، وبعدها استرخيت على الكرسي ” استراحة محارب ” وأنا أشعر بسريان الماء في أمعائي كطفل معاق يجاهد السير، تبعه ألم حاد مثل من بثرت إحدى أضلعه، وقلت في نفسي أنا لم أشرب ” الماء ليقوم بسياحة داخلية ” شربته لأنه معادلة غدائية متكاملة على ما أعتقد، ازداد الألم، وقفت وبدأت بالذهاب والإياب في بهو المنزل، لكن الألم ازداد وشعرت بدوار مفاجئ  أدركت معه، أن شيئا ما سيحدث لي إن  لم أسرع بالذهاب إلى ” مستشفى تغيرت ” وتمنيت أن لا يكون مثل ماء هذه البلدة، لبست آخر ما تبقى من ملابسي المعلقة في مسمار على الحائط، وبمجرد ما أدرت مفتاح الباب مرتين حتى ضرب الباب وجهي وكأن شخصا دفعه بقوة حتي سقطت أرضا، نهضت وأنا أشتم فاتح الباب المفترض، نظرت بوجهي خارجا  فلم أجد غيرا تلك العاصفة الهوجاء المارقة تتسكع ببردها في الزقاق، أغلقت الباب مسرعا، و اتجهت إلى حيث لا أعلم . سألت أول شخص صادفته، هذا السؤال: ” رجاءا هل يوجد مستشفى هنا ؟ ” أجابني بلغة أمازيغية لم أفهم منها سوى أنه فعلا يوجد مستشفى، ثم قلت له: أين يوجد؟ قال بلغة أمازيغية مرة ثانية كلاما لم أفهمه، غير إشارة يده لإتجاه تواجد المشفي  التي قام بها بالموازاة مع حديثه. ولم أكلف نفسي عناء طرح أسئلة من قبيل، لماذا لم يتحدث إلي بلغة عربية وهو يعرف اني لا أفقه شيئا مما يقول انطلاقا من قسمات وجهي المتسائلة؟ نسيت الأمر أو لنقل تناسيت إلى حين، ركضت والألم يعتصر أمعائي  يمينا وشمالا حتى لمحت عيني يافطة مكتوب عليها ” مستشفى تغيرت ” ملصقة في باب بناية أشبه بمنزل عادي، دققت النظر، وأدركت أن عيني لم تخطئ قراءة حروف اللافتة الباهتة، اقتربت أكثر  والريح الأهوج يمنعني من التقدم لقوة هبوبه، ولكن ألمي كان أكثر من أمله، حتى أدركت البناية، فإذا بي أجد طابورا ذكرني، بصورة الأمريكيين إبان أزمة 1929 وهم ينتظرون المؤن، وإن كان الأمريكيون يذكرونها للتاريخ كي لا تتكرر، فنحن نعيشها في الحاضر ونسعفها بالصمت كي تمتد للمستقبل، وأغلب واقفي وطني هنا، يصرخون ما عدا المرافقين، نسيت ألمي وأنا أتأمل “كرنفال” البؤس وقلة الحيلة، طابور الألم والانتظار الذي يدوم دوام العمر، انتظار الإحساس بكرامة العيش تحث سقف هذا الوطن الذي لم يحس داخله هؤلاء وكثيرون بقيمة وجودهم، وقلت في نفسي: هل هم ضحية هذا المناخ القاسي، أم ضحايا قساوة سياسة الوطن على أبنائها المحتاجين؟ سألت أحدهم. منذ متى وأنتم هنا، قال منذ أن مرض ابني. قلت منذ متى مرض. أجاب منذ أسبوع، ولماذا لم يستقبله الطبيب، سألت. استقبلني. هل أعطاك دواء. لا أعطاني موعد، وكل الناس هنا مثلي، الأطباء هنا يشتغلون ساعتين في اليوم فقط. ساعتين في اليوم فقط !! يا لتعاسة وطني، اقتربت أكثر فأكثر، فبدا لي جو الإنسانية حالك، وأنا أسمع أنين الموت، وموت الأنين في لحظة غيبوبة مفاجئة لهذا المريض وذاك..” اللهم هذا منكر ” قلتها بصوت خافت حتى لا أوقظ وحش الألم في أمعائي، تسللت بين الجموع  لم يوقفني أحد، ربما لأنهم منشغلين بمرضهم أو بمرضاهم، حتى حارس (المستشفى)- وأنا أعرف أن هذا الإسم قلته تجاوزا لتعاليم أبقراط –  لم يوقفني لأنه ببساطة لا يوجد حارس ، ولجت قاعة الإنتظار- والأحرى أن يكتب على تلك اليافطة في الخارج ” قاعة الإنتظار” كان الأمر سيبدو منطقيا-  صرخت هذه المرة ” هل يوجد طبيب هنا . هل من أحد هنا .” وفعلا خرج أحد الممرضين ببدلته البيضاء ماسكا فنجان قهوة سوداء، بعد أن خلت أن المكان يحرسه ” ملك الموت ” لأن كل المعطيات توحي بذلك، بدا لي صغيرا في السن، أدركت بعدها أنه متدرب، قال لي ” ما الذي يحدث هنا ؟ ” قلت:  إن سؤال ” ما الذي يحدث هنا؟ ” ربما تلقيت عنه جوابا في مراكز التكوين !! قال بصوت هادئ: قصدت لماذا تصرخ. قلت: لأن ضميرك يغط في سبات عميق، صرخت عسى أن يستيقظ !! رفع صوته وقال: أخرج أخرج من هنا أو انتظر مثل ما ينتظر الكل. قلت: أنت هنا من أجل هذا الكل الذي ينتظر ولا أحد هنا جاء يتسولك شيئا بل من حقهم التطبيب. ونحن نزايد في الكلام، خرج أربعة ممرضين آخرين، فنظر إليهم بتهكم، وقال: انظروا إلى هذا المريض المتفلسف، إننا نتناول فطورنا، وهو يتهجم علينا بكلامه ووبائه. فطوركم !! قلتها وأنا أبتسم أسفا وحرقة، أستدرت جهة طابور المرضى وقلت: لا تزعجوهم بآلامكم إن السادة الأطباء يتناولون فطورهم، كثر اللغط بين المرضى بين محتج، وبين من يطلب مني السكوت حتى لا أزعجهم ويأخذونها ذريعة، كي لا يعملوا. وللمرضى قصص كثيرة في هذا الباب. تدخل أحدهم وقال لي: لا لم يقصد الطبيب ذلك، بل لم نشتغل منذ الصباح لأن الكهرباء مقطوعة، وكذلك الماء. قلت: لا يا سيدي ليست الماء والكهرباء هي المقطوعة بل رحمتكم، وإنسانيتكم، وواجبكم من قطع حبله، هل تشخيص المرض تشخيصا أوليا، يحتاج إلى كهرباء وماء، وهل إنقاذ هؤلاء الأطفال والنساء الحوامل، يحتاج لما ذكرت، لا أعتقد ذلك، يحتاج الأمر فقط قليل من الإنسانية واحترام الواجب المهني، ويحتاج هؤلاء المرضى إلى توعية يفهمون بها أن لا أحد يتصدق على أحد بل، هم جاؤوا من أجل حق يمنحه لهم انتمائهم لهذا الوطن.  وأنا أواصل كلامي فتحت إحدى الأبواب كتب عليها ” لعلاج المسالك الهضمية ” وخرجت منه امرأة وجهها شاحب تحمل أدوية في يدها، وتبعها أحد الأطباء، قال ما هذا اللغط، مسكت يده وقلت: ” نعم الطبيب أنت، على أمثالك يعول الوطن وبعده المرضى.” أعرف أنه لم يفهم شيء، ولكن أصحاب الوزرة البيضاء فهموا القصد وبدؤوا في استقبال المرضى، وقد كنت أحدهم، حينما جاء دوري فتحت الباب ودخلت عند الطبيب الذي دخلت معه في النقاش، قال : “هل تؤلمك أمعائك.” التزمت الصمت. ثم أضاف: “لا تشرب ماء تيغيرت إنه يقتل.” و دس في جيبي حفنة من الأقراص، لم يشرح لي حتى كيف ومتى أتناولها، ثم خرجت متثاقل الخطوات أرقا، أشرت لأحد المرضى في الخارج كي يأتي إلي من أجل أن أعطيه أقراص الدواء تلك، وضعت يدي في جيبي فاكتشفت أن به ثقب كبير، سقطت منه كل الأقراص في الداخل، ابتسمت في وجهه، وبادلني الابتسامة، وأخرجت قلم الرصاص من جيبي الآخر، قمت بقلب يافطة المستشفى وكتبت عليها بشكل واضح : ” لا يا سيدي الطبيب، يؤلمني وطني ” وانصرفت وأنا على يقين أني لن أعرف المنزل الذي اكتريته للتو .

  • تيغيرت: Tiright بلدة  أمازيغية مغربية، تعتبر معقل قبائل إمجاط ، تقع في سلسلة جبال الأطلس الصغير، وتنتمي إداريا إلى إقليم سيدي إفني، تتميز ببردها الشديد، وضبابها الكثيف.

*ــ هي عبارة صهريج إسمنتي كبير فيه يتم حفظ مياه الأمطار، وهي تعتبر المصدر الوحيد للشرب ولكل الحاجات الأخرى.