حتى لا ننسى

فريق التحرير

سأبدأ من حيث ينهمر واد ورغة، وسأنتهي حيث لا ينتهي النهر في انسيابه نحو البحر، وحتى لا أنسى، وأني لن أنسى بلدي يوما, ها أنذا رفقة أصدقائي ومن في نفسه حرج وغيرة على بلده أعود لأتذكر وأذكر بهذا المكان المنسي في شمال المملكة ولا أجد كلاما أبلغ في هذا المقام ولا صوت أعلى مما قاله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي في إحدى قصائده
– فكم فقط أن تعدلوا بعضا من كلمته-:
يا تونس الخضراء جئتك عاشقــــــــــا           وعلى جبيني وردة وكتـــــــــــــــاب
إني الدمشقي الذي احترف الهـــــــوى            فاخضوضرت لغنائه الأعشـــــــــاب
احترقت من قلبي جميع مواكبـــــــــي             إن الهوى ألا لا يكون إيــــــــــــــاب
إني أعود إلى قريتي وزادي ورقة وقلم ليصل صوتها إلى أصقاع العالم في جدوة تنبض بكل أشكال الحياة، وتنبض إشراقا وطموحا وأملا في غد مشرق للمنطقة ولأهلها، على أمل أن تستثمر المنطقة كل خيراتها التي تراكمت لأصل البلد التمسك بمساكنهم حد الذوبان فيها، حتى ثمل الجبلي وسكر واستملى السكر بين جنبات وديانه وعلى أعتاب جباله وفجاج هضابه وأهداب وريقات أشجاره، اللوز والزيتون والتين ولك من أشجار أخرى أن تطلب ما تشاْء، فالله قد حبى المنطقة بأشجار وخيرات لا قبل لمنطقة أخرى بها، فلا سامح الله كل من همش المنطقة ووضعها في ذيل التنمية ليجرجرها ويعذبها وأهلها شر العذاب.
إنك في منطقة طهر السوق على تخوم الريف تستشرف الجبال الوعرة وتصطدم بوعورة المسالك وتشعبها وتغرقك المياه، تجد الناس البسطاء وقد عروا على أكتافهم وهو يشتغلون معا وأبناءهم في حقولهم التي تسلحوا لخدمتها بعتاد تقليدي هو وحده الذي يوجد في مثل هذا المكان بعد أن فشلت كل المستويات والفعاليات في تفكيك الترسانات التقليدية للاقتصاد وتعويضها بما استجد في المجال.
نجد الناس يجتهدون لكسب لقمة عيشهم فقد، إن هؤلاء المسؤولين أفلحوا فقط في جني الثروات وتهريبها خارج الجهة ولا نسجل أدنى استثمار لخيرات المنطقة وعائداتها في إعادة بناء اقتصاد قوي يساهم في تغير حياة المنطقة التي يشهد لها التاريخ وقربها الجغرافي من معاقل المقاومة أنها كانت ذراعا عسكرية مهمة في مقاومة الاستعمار.
وأن الأمس القريب بجميع تجلياته لازال يتردد في ليالي المناطق هناك وكم من مرة نعثر على آثار المعارك التي دارت هناك وتطاير فيها الرصاص، وكم هم الذين استشهدوا ونسيهم الزمان كمن لم يكن أبد الدهر فتلك حكاية أخرى.
وإذا كان للمنطقة سؤال مشروع فهو السؤال الذي يقول: لماذا تم التغاضي عن المقاومين الحقيقيين في المنطقة وتجاهلهم؟ وبدون مغالاة فإن كل الجبل القديم كان مقاوما للاستعمار في تاونات بشكل أو بآخر اللهم بعض الاستثناءات؟ كيف ولازال هناك الكثير من يحكون لنا ما يسمى “عام الرحلة” الذي هجر فيه أهل قرى متيوة وفناسة وغيرهم مساكنهم، مكرهين جراء زحف البنادق الاستعمارية للمنطقة فتكبدوا عناء بذل العطاء في خدمة أبناء المقاومة، وتجسدت أرقى أشكال التضامن والتآزر بين أهل القبائل الريفية والجبلية، إنها كانت لحظة تاريخية أرخ لها الزمان إلى أيامنها هاته مازال آباؤنا يتذكرون الترحاب الذي لاقوه من قبل الملتجئين إليهم، أضف إلى هذه الأحداث التاريخية عرموم آخر من الأحداث التي تتداعي إليك، وإلى كل من حاول نبش تاريخ المنطقة من طولها وعرضها، عبر الجبال وفوق التلال وفي واحات الوديان المجاورة والمحيطة ولك أن تحكي ما تشاء إذا ما تجرأت وخاطبت المنطقة وأهلها، فلن تنفعك آنذاك أوراق لتملأها ولكن ستحتاج إلى كتب ومجلدات حتى تستطيع إلى ذلك سبيلا.