زراعة الأخطاء… وحصاد المعاصي

فريق التحرير

 نهاية أسبوع لن تنسى تلك التي قررت أن أزور فيها بعض الدواوير المجاورة، اكتشفت حقائق مخيفة و واقع مرير يتشاركه سكان هذه الدواوير الجبلية  النائية، شتاء أحيت وديان جافة وأنبتت حياة يميل لونها إلى الاخضرار على سفوح هذه الجبال، لكن الغريب في الأمر أن هناك هكتارات أرضية لازالت تعيش عصر الجفاف هو سؤال تبادر في ذهني و أبيت إلا أن أتحقق من الأمر حتى صادفت راعي غنم سألته عن سبب عذرية هذه الأرض الواسعة؟ نظر إلي بكل سخرية و بتأن استرسل إجابته بأنها ما عادت تقبل الشعير أو القمح وإنما هي أرض محجوزة للذي هو أغلى.

تركت راعي الغنم و قررت بعدها أن أجتهد أكثر في البحث عن الحقيقة حتى بي أقصد مجموعة أطفال يلهون في فضاء خال كنت سريعا في أسئلتي و أجوبتهم كانت بطيئة و كارثية، الطفل “عمر” أبى إلا أن يقصي معنى الطفولة من مفهومي لما سألته عن واقع الحال في هذه الدواوير، مخاطبا بأن الحياة باتت مقتصرة على زراعة الكيف بل ويعرف جميع أنواعه ووقت زراعته و حصاده و نوع الأسمدة التي يتطلبها، بكل غيرة أجبت أن هذا النوع من النبات محرم شرعا وهو من أخطر المخاطر التي تتربص بصحة وحياة الإنسانية بأكملها لكن الأطفال تقهقهوا كثيرا على كلامي ليجيب “مصطفى” بأن الخطر الأعظم هو الجوع، حينها أدركت أن هؤلاء الصبية ما عادوا أطفالا بل الغاية تبرر الوسيلة، لم أبرح مكاني حتى بت ناصحا لهم بأن لا يقربوا أو يجربوا تلك العشبة فهي كالسوسة تنهش ولا تموت. اصطحبني “مصطفى” بعد ذلك إلى صديق له  لكي يطلعني أكثر عن حال هذه الدواوير. “عبد الغني” شاب في مقتبل العمر و تفاصيل وجهه توحي بالشقاء والتعب، أمطرته بوابل من الأسئلة باحثا عن تفاصيل هذا السر الدفين، ليجيب بعدها بأن تلك الأرض التي وراء هذه الجبال لا تحرث شعيرا أو قمحا و إنما هي خاصة بزراعة الكيف، هي حوالي خمس سنوات من الزراعة ولم يسجلوا أية حالة حرق من طرف السلطات بل ويستعملون الأسمدة الجيدة ويوظفون كل جهودهم من أجل حصاد وفير مرورا بليالي طويلة تكون في مراقبة المحاصيل، سألته لما المراقبة و كيف تكون؟ هي مراقبة تكون في الميدان ليل نهار يكون آنذاك الإنسان مدججا بأسلحة بيضاء و مستعد إلى أن يفعل المستحيل لحماية المحصول من أي دخيل يمكن له أن يتلف ذاك المجهود الشيطاني، معترفا بأن هاجس الخوف لا يفارقه أبدا ليوقد بعدها سيجارة محشوة عن آخرها لما رآني مندهشا أجاب أن التدخين شيء عادي بل وقد تحول إلى ضرورة ليكملوا مشوار هذه الحياة. سألته هل الكل يدخن؟ قال ما عدا الأطفال ففئة كبيرة تدخن بل الأطفال نفسهم يتوقون متى يكشف عنهم الحجاب ليشربوا من نفس الكأس.

شدني الشوق أكثر لأعرف رأي أناس يشهد لهم بالحكمة ليأخذني “عبد الغني” بعدها إلى دار “الحاج”، رجل في أواسط الستينات يشهد له بالكرم لما شاهدته من حفاوة استقبال بعد أن أخبره “عبد الغني” بسبب الزيارة مد يده إلى جيب جلبابه ليخرج نوعا مألوفا يكنى “السبسي” فأخذ يستنشق في سموم لا متناهية بعدها أجاب بأن زراعة الكيف هي الأمل الوحيد التي تعيش وراءه هذه الأسر المنسية فهو يعود بدخل محترم على هؤلاء الأسر رغم المعاناة، لكن ما العمل هل نموت جوعا. سألته بأنه لم تموتوا جوعا من ذا قبل؟ إستحسر في إجابته بأن ذاك الزمن قد ولى زمن النية والمحبة الخالصة، زمن الأسعار المقبولة و الحياة المتوسطة أما الآن فهو زمن ” شد ليا نقطع ليك “، متحججا بأنهم لا يبيعون محاصيلهم للشباب أو إلى أي كان فهم يتعاملون مع “بزناز” يبيعه هذا الأخير إلى الأجانب إذن فما الضر في ذلك يجيب “الحاج”. أجبته أن الضرر هو أن هذا “البزناز” يأخذه منكم بثمن بخس و يبيعه بثمن طائل، المشكل هو أن توظف أولادك في زرع الحرام و جر رجلهم إلى الهلاك و الضياع، الخطر الأعظم هو أن تنسى أن الله موجود يراك تفتك عائلتك ونفسك وهو الآمر الناهي بالابتعاد عن المحرمات، الهول الأكبر هو أنك في هذا العمر ولم تتخلص قط من بلائك، ما الذي تتركه لطفل صغير يحتدي بجد له؟

سكت قائلا و ما عساي أنا فاعل إذا تغيرت أنا فلن يتغير الباقون هناك انتهى النقاش بيننا وعدت أدراجي و أدركت بأن هذه الكوارث ما هي بمنقضية لأن زراعة الأخطاء لن تفضي إلا إلى الشقاء و الهلاك.