خادمات الطبقة المتعفنة

سمية الحجيوج

سبق أن تناولنا قضية الطفل والطفولة داخل هذا المنبر وناقشناها من جميع الجوانب,كما تطرقنا إلى قضية خادمات البيوت الصغيرات, ونرجع ونتكلم عنها مرة أخرى الآن، ليس لأنه لم يتبقى مايقال, وإنما الظروف والتغيرات داخل بلدنا هي التي تجعلنا نتكلم في الموضوع مرارا وتكرارا، ونعيد اجترار الكلام, لأننا لا نجد آذانا صاغية، بل آذانا من طين أو صماء. حتى أصبحت مهمة المسؤولين في كل حكومة هو تمرير وإهدار وتضييع أكبر وقت ممكن من حياة المواطنين _رغم قصرها_ وليس الإصغاء إلى المشاكل ومناقشتها وايجاد حلول جذرية لها حتى لا تتكرر. لكن التكرار بالنسبة لنا يشكل مجرد جديد في الأحداث اليومية ولا نأخذه على محمل الجد من أجل الإعتبار به ووضع حد له.
لقد أصبح كاهل المغاربة مثقلا بالقوانين التي يقرأها دون أن يتم تنزيلها وتفعيلها على أرض الواقع. فمنذ أكثر من ثلاث سنوات تم تنزيل مشروع قانون خادمات البيوت، لكنه لحد الآن لم يتم المصادقة عليه وتفعيله من أجل تقنين القطاع، ووضع حد للجرائم التي تقع أمام أعين الحكومة والمواطنين ولا أحد يحرك ساكنا. وكأنه تم قتل ذبابة وليس إنسان.
فمنذ سنتين بمدينة وجدة قضت خادمة بيوت حتفها تحت تأثير التعذيب من طرف مشغلتها, في تلك الفترة أبرقت الدنيا وأرعدت لهذا الفعل الشنيع, وبعد مرور وقت وجيز لاحظنا أنه كان مجرد زوبعة في فنجان من طرف الحكومة وفرقعة إعلامية لدى القنوات التلفزية, طبعا العداالة أخذت مجراها وتلقت الجانية عقوبة السجن. لكن هل هذا الحدث استطاع أن ينهض بالرأي العام والضغط على الحكومة من أجل إنزال وتفعيل قانون خادمات البيوت؟ طبعا لا, فبعد مرور الوقت سكت الجميع إلى أن وقع ما وقع الأسبوع الماضي, نزل الخبر كالصاعقة على الجميع بعدما قضت الخادمة القاصر فاطمة حتففها نتيجة التعذيب بالضرب والجرح والحرق بالنار من طرف مشغلتها.
الطفلة فاطمة لم تكن تشتغل عند أناس عاديين, بل كانت تشتغل عند أناس من طينة خاصة_يقولون ما لا يفعلون_ نعم هذه هي حقيقتهم, فالسيدة أستاذة في قطاع حيوي وهو التعليم _تبارك الله على مربية الأجيال_ فهي تعرف حق المعرفة أن مكان الطفل الطبيعي في هذا السن هو المدرسة، وليس الأعمال الشاقة كما كانت تفعل مع خادمتها, وليس كل هذا فقط بل كانت كانت تزيد الطينة بلة بضربها وحرق جسدها الصغير, وهي تتمتع بساديتها في تعذيب هذه الصغيرة العاجزة عن حماية نفسها.
أما رب الأسرة فهو من رجال الدرك الذي الذي يعرف القانون, ويعاقب المجرمين بإسم القانون, لكنه نسي أنه هو المجرم الثاني لمشاركته في الجريمة من خلال صمته عما تفعله زوجته المجرمة الأولى بخادمتهما, ربما كان يساعدها في ذلك أو يوافق على ما تفعله, لأن الأشخاص العارفين بالقانون هم أول من يخرقونه لأنهم يعرفون كل ثغرات القانون وكيف يفلتون من العقاب كما أنهم يؤمنون بالقولة الشهيرة _وجد القانون ليخرق_.
خمسة وسبعون في المئة من جسد الضحية كان محروقا وعليه جروحا غائرة,لكنها لم تتلقى العناية حتى تعفن جسدها ولم يعد يحتمل وأسلمت جسدها وروحها إلى بارئها. فحتى الطبيب والممرض الذين أقسموا اليمين لم يحافظوا عليه وتواطؤوا مع المجرمين لأنهم أصدقاءهم, لم يهزهم أبدا ضميرهم المهني, لأنهم ببساطة لا يملكون ضميرا بل يملكون أياد تقبض كل شيء وجيوب لا يملأها شيء.
أما المجتمع المدني فهو يتكلم ويظهر حتى آخر لحظة ليلف الرأي العام حوله ويكسب أكبر عدد من المتعاطفين معه.
هذه فقط حالة وصلت بها الظروف المأساوية إلى الموت, لكن هناك الآلآف من الحالات في ربوع المملكة, لماذا نذهب بعيدا ونتكلم ونسيح في ربوع المملكة,و منطقتنا تصدر العديد من فتياتها الصغيرات للعمل في المدن عند العائلات الذين يتوعدون بالاعتناء بهن جيدا مثل أبنائهم, لكنه للأسف الشديد تكون مجرد وعود فارغة تنساها العائلات بمجرد الحصول على موافقة الأهل ودخولها إلى منزلهم.
في المغرب كله وأينما كنت فإنك سوف تتعرف على خادمة البيوت من مجرد النظر إلى ملابسها وبدون أن تسألها أو تسأل عنها, فالعائلات البرجوازية تتباهى دائما بامتلاك خادمتين أو أكثر, لكن هذا لا يتحقق لهم إلا من خلال الفتيات الصغيرات اللواتي يكون أجرهن زهيدا جدا لا يتعدى أربع مئة درهم شهريا.
فالجهل والتهميش هما العاملان الأساسيان في تكوين هذه الفئة (خادمات البيوت القاصرات), فالآباء في هذه المناطق المهمشة (إلى طاح فيها الفار يتزوا) يجدون في بناتهم مصدرا للربح والدخل الشهري المستقر, بغض النظر عن سنها أو ماهي الظروف التي تعيشها عند مشغليها.
مازالت تحضرني صورة فتاة كانت تدرس معي في نفس المدرسة الإبتدائية، لكنها كانت تصغرني, غابت عن المدرسة أو بالأحرى غيبت, انتهت مرحلة الإبتدائية وانتقلت إلى الإعدادية في بلدة مرنيسة وهناك بدأت أشاهدها مرة أخرى, لكن حالتها كانت جد مزرية, وعرفت فيما بعد أنها تشتغل لحساب السيد الخليفة بقيادة مرنيسة, وقد استغربت الأمر, فكيف لفتاة صغيرة وبهذه الحالة المزرية وتشتغل داخل بيت السيد الخليفة؟ كانت أسمالها جد رثة ومتسخة, روب أحمر قصير, وكنزة صوفية بيضاء تحولت قريبة من اللون البني من كثرة الأوساخ, أكمامها طويلة كانت تضطر الطفلة معها إلى طيها عدة مرات لأنها لم تكن من مقاسها بل كانت لشخص أكبر منها سنا. ومن الأسفل كانت تلبس سروالا فضفاضا لا يصلح سوى للنار.أما رجليها الصغيرتين فكانتا صيفا وشتاء تجران نعلا (صندالة) من البلاستيك تآكلت قدمه وكبير الحجم, من المؤكد أن يكون ذلك النعل اشتراه السيد الخليفة لزوجته.
عندما كانت تمر أمامي صدفة وهي ذاهبة إلى البقال كانت تخجل من ملاقاتي ربما من لباسها الذي لم يكن يعجبها، أو ربما كانت تتحسر على الحلة التي آلت إليها. وأنا كنت أطرح على نفسي أسئلة رغم سذاجتها في ذلك الوقت لم أجد لها جوابا، من قبيل لماذا هؤلاء الأشخاص رغم رفاهيتهم لم يشتروا ملابس نظيفة لهذه الفتاة؟ كيف لشخص بهذا المستوى يرضى بأن تمر أمامه الخادمة بهذه الحالة داخل منزله دون أن يقول شيئا؟ هل هو شخص يحب الأوساخ؟
هذه الأسئلة عرفت جوابها عندما كبرت, عرفت أن الملابس الرثة هي القاسم المشترك بين جميع الخادمات, فربات البيوت يردن للخادمة أن تكون على هذه الشاكلة.
انتقل السيد الخليفة إلى مكان آخر ورحلت الطفلة معه وانقطعت أخبارها عني إلى حدود السنة الماضية بعد أن وصلتني أخبارها, ويا هول ما عرفت. عرفت أن حياة الطفلة قد دمرت بالكامل, ففي مسارها كخادمة للبيوت وقعت ضحية حمل غير شرعي من أحد أبناء مشغليها, وأمرت المحكمة بتزويجهما, لكن عائلة الزوج لم تقف عند هذا الحد فقد استمرت في تعذيبها والضغط عليها حتى اختل توازنها النفسي, وبالوصول إلى هذه المرحلة سهل عليهم الأمر بالتهامها بالجنون وإبعاد ابنتها عنها, لكن الذي وقع، هو أن الرضيعة ماتت وهي تتهم زوجها وعائلته بإغراق ابنتها في سطل الماء. لكن من يستمع إليها؟ فوالديها أنكراها بعد أن مرغت وجوههم في التراب بسبب حملها, أما من الناحية القانونية فالعائلة تملك شهادة طبية تدل على اختلالها توازنها النفسي, إذن فهي مجنونة. ثم اختفت من جديد.
هذه فقط حالة واحدة من ضمن الحالات التي نصادفها يوميا عند العائلات الغنيات، اللائي توفرن راحتهن وراحة أبنائهن على حساب الخادمات الصغيرات اللواتي لا يجدن من يحميهن, لا آباءهن الذين أنجبنهن، ولا الدولة وضعت قوانين زجرية للحد من تشغيل الفتيات القاصرات.

صورة: كاريكاتير يوسف بخوتة عن خادمات البيوت