رداءة الزمن الطفولي

فريق التحرير
بقلم: خليد الخمسي
   كثيرا ما يواجهنا سؤال من أنت؟ يوجهه غرباء تحدوهم رغبة كبيرة في كسر صمت قطار أو ضجر يوم مشمس على كرسي حديقة، او متطفل يصنع خدعة رقم عشوائي يتلصص على رغباته، من أنت؟ سؤال يجعل الأشاء تنفض من حولك، بما في ذلك أنت، وفي برهة من الزمن يمر شريط مكثف من الصور والمواقف في ذاكرتك تحاول عبثا أن تشكل منهم صورة ثابتة لوضعك الوجودي، ثم سريعا ما تتكسر وهي تعبر المسافة الفاصلة بين الفكر واللغة فتنتج اعترافا شبيها بلوحة سريالية في حاجة إلى تعليق، والتعليق في حاجة إلى قارئ والقارئ في حاجة إلى أفق يكون متماسا مع ما تعنيه، ولكن دائما ما يظل سؤال الأنا- أنت معلقا ومؤجلا، لأن أفق الكينونة المتعينة دوما ما يحتاج إلى تأويل أول وثاني وثالث …والتأويل هو قضية ” سوء الفهم ” يزعم الزمن و” فهم السياق ” أنه قادر على تبديده، فيزيده غموضا.
أنا طفل ميت، وشاب حي، وشيخ سيولد ” قلتها في نفسي وأنا أحس بنشوة نصر، في يوم كان ذلك السؤال النكرة ( لغويا) يحاصرني كجندي بيده سلاح يخيرني بين أمرين أحلاهما مر: تعيين كينونتي، أو الإعتراف بعدمي، ولأني ابن الفلسفة أو على الأقل شربت بعض أفكارها، وتعلمت تعريض كل شيء للنقد والتحليل بما في ذلك ما أعتقده وأقوله – إلا ما أكتبه الآن – يبدو جوابا منطقيا، إلا أن هذا التعريف يبقى صوريا يخص فقط الخواص الشكلية، وينطبق على كل الناس في سني وعلى لا أحد، بمعنى ليس تعيينا للأنا كذات فردية لها هوية ذاتية، بل تعيينا للأنا الإنسانية بعامة،هذا من جهة، ومن جهة ثانية لو فكرت في تخصيص ذاتي بهذا التعريف فأنا من وجهة نظر اجتماعية مطالب باستدعاء القليل من الأحداث الفردية، علها تبدد هذا النقد الذي يبدو موغلا في تعقيدات ميتافيزيقية حصرية، الطفولة أسمال بالية، وألعاب ذاتية فخر الصناعة المغربية ” آلة حصاد ” بأسلاك مسروقة، وقصب موصول بقمرة القيادة، والطرق غير المسلوكة في الصيف حيث تكون بقايا تبن متخلى عنه، أرضية العمل، وطبعا أتكفل بنطق وترديد صوت المحرك، حينما يسرع وحينما يخفض من سرعته، وأجمل صوت هو صوت الفرملة ” غييييييط “، هذا كله فقط في أوقات الإستراحة أما الصباح فقد كنت مضطر أن أستيقظ على طريقة الكبار ولي شغل أقوم به أعرفه وأعرف أدواته حق المعرفة، وفي المساء، أقدم ضريبة اللعب لأبي، على شكل صفعات ثقيلة، لأن اللعب في زمني كان محرما على الصغار، ولا تسألني عن الكرة، إن لم يمزقها أبي، يتقبها الفأر كرد فعل طبيعي على انزعاجه من تواجد شيء آدمي قرب مخبإه، أو بحثا عن حياة أفضل ممكنة بداخلها، وفي المساء بعد أداء ضريبة اللعب، أيضا شغل بعد أن أعرف من موزع الأعمال ” أبي ” ما الذي علي فعله…..وأحداث – حتى لا أقول ذكريات – أخرى يعرفها أنا /أنت…
  يبدو لي أن التعريف يتهاوى، لأني لم أعش أصلا شيء اسمه ” الطفولة” بل كنت كبيرا في السن أقوم بأعمال الكبار وأفكر على طريقتهم و أتحمل المسؤولية، مسؤولية التواجد، وأعيش في المقابل حرمان وجودي وفقر سيكولوجي، وعدمية مبكرة، لذلك من المنطقي جدا إعادة صياغة التعريف، وفق المعطى الوارد سابقا ” أنا شيخ ميت وشاب حي وطفل سيولد ” هذا التعريف أو إعادة الصياغة من شأنها أن تبرر للكثير منا سلوكيات اجتماعية تبدو غير متوافقة مع سلسلة التقدم البيولوجي منها ظهور المراهقة المتأخرة لدى الكثير منا، كأن تجد رجل ستيني يبحث عن متعة المراهقة ويصاحب المراهقات والمراهقين، لأن سنه السيكولوجي يتوافق مع سلوكاته التي تبدو لملاحظة الخارجية غير متوافقة مع سنه البيولوجي، وهذا ليس إلا تعبير عن خلل اجتماعي نفسي…من وجهة نظر عشاق الملاحظة السطحية ومريدي الفتاوى الأخلاقية، في حين يبدو وفق التفسير العلي سلسلة مترابطة من الأحداث الإجتماعية العادية جدا…لذلك ارحموني وأنا شيخ مراهق…ولا تسألوني من أنت ولا تحاكموني بمعيار الزمن البيولوجي.
   إنهاء الدردشة

تعليقات